فقال : « ولهذا نذهب إلى أنّه لا يعلم بأنّه مأمور بالفعل إلا بعد تقضّي الوقت وخروجه ، فيعلم أنّه كان مأمورا به . وليس يجب ، إذا لم يعلم قطعا أنّه مأمور ، أن يسقط عنه وجوب التحرّز . لأنّه إذا جاء وقت الفعل ، وهو صحيح سليم ، وهذه أمارة يغلب معها الظنّ ببقائه ، فوجب أن يتحرّز من ترك الفعل والتقصير فيه . ولا يتحرّز من ذلك إلّا بالشروع في الفعل والابتداء به . ولذلك مثال في العقل ، وهو أنّ المشاهد للسّبع من بعد ، مع تجويزه أن يخترم السّبع قبل أن يصل إليه ، يلزمه التحرّز منه ، لما ذكرناه ، ولا يجب إذا لزمه التحرّز أن يكون عالما ببقاء السّبع وتمكّنه من الاضرار به » ( الذريعة ج 1 ص 165 ) .
وهذا الكلام جيّد ، ما عليه في توجيه المنع من مزيد . وبه يظهر الجواب عن استدلال بعضهم على حصول العلم بالتكليف قبل الفعل ، بانعقاد الاجماع على وجوب الشروع فيه بنيّة الفرض ، إذ يكفي في وجوب نيّة الفرض غلبة الظنّ بالبقاء والتمكّن ، حيث لا سبيل إلى القطع ، فلا دلالة له على حصول العلم .
وعن الثالث : بالمنع من تكليف إبراهيم عليه السّلام بالذبح الذي هو فري الأوداج ، ( 1 ) بل كلّف بمقدّماته كالإضجاع ، وتناول المدية ، وما يجري مجرى ذلك . والدليل على هذا قوله تعالى :
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
( سورة الصافات 105 - 104 ) فأما جزعه عليه السّلام فلإشفاقه ( 2 ) من أن يؤمر - بعد مقدّمات الذبح - به نفسه ، لجريان العادة بذلك . وأما الفداء ، فيجوز أن يكون عمّا ظنّ أنّه سيأمر به من الذبح ، أو عن مقدّمات الذبح زيادة على ما فعله ، لم
هامش
( 1 ) قوله : الأوداج
هي جمع الودج وهي عروق العنق وتناول المدية أي اخذ السكين .
( 2 ) قوله فلا شفافه
أي خوفه .