وعلى ذلك ، فملاك الامتثال إنّما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجي ، لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به . فهو مصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق المأمور به . وحينئذٍ ، فبما أنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة ، وصرف الوجود مقدور للمكلّف يصحّ تعلّق الأمر به من المولى ، إذ لا مزاحمة بينه وبين الواجب المضيّق ، وإنّما المزاحمة بين المضيّق والفرد المزاحم من الموسّع . وإذا كان صرف وجود الطبيعة مطلوباً للمولى ، وكان انطباقها على الفرد المزاحم قهرياً ، يتحقّق به الامتثال قهراً .
يلاحظ عليه : أنّ ملاك امتناع الأمر بالضدّين موجود حتى في المضيّق والموسّع ، ولا يختص بالمضيقين ، لأنّ الموسّع لا يخلو من حالات ثلاث :
الحالة الأُولى : أن يصير ضيقاً ، كالمضيق بالذات ، كأن لا يبقى من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات ، فلا يجتمع الأمر بالإزالة مع الأمر بطبيعة الصلاة مع عدم سعة الوقت إلّا لواحد من الأمرين .
الحالة الثانية : أن ينحصر الفرد ، بالفرد المزاحم ، بأن لا يقدر إلّا على هذا الفرد ، فانّ الأمر بالطبيعة ليس له إلّا فرد واحد ، وهو المزاحم بالمضيق ، ومعه كيف يصحّ الأمر بها . وهاتان الحالتان خارجتان عن محطّ نظر المجيب .
الحالة الثالثة : أن تكون له أفراد طولية ، مزاحمة وغير مزاحمة ، فمع عدم الإتيان بالمضيق فللأمر بالطبيعة حالات ثلاث :
1 أن يكون الأمر بالطبيعة إنشائياً ما دام كون الأهمّ غير مأتي به .
2 أن يكون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً ، أي بعد أن يأتي بالأهمّ .
3 أن يكون الوجوب والواجب فعليين .
لكن الأمر الانشائي لا يصحّ التقرب به ، لأنّ المفروض عدم بلوغ إرادة المولى حدّ الطلب الجدّي .
المحصول في علم الاُصول — صفحة 28
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٨