يكاد يكون وجوده مقيدا بالعلم بوجوده ، وهذا مما يحكم به بداهة الوجدان وصريح البرهان ، فلا محالة يجب اما ان لا يكون شئ من ذلك موجودا أو كان وجوده غير مقيد .
فنقول : الحكم ان كان موجودا كان وجوده بحكم العقل مع قطع النظر عن العلم وهذا عبارة أخرى عن الاطلاق غاية الأمر انه اطلاق ذاتي وبحكم العقل المستقل ، وما ذكره قدّس سرّه وجعله مقابلا للتقييد بالعدم والملكة انما هو الاطلاق اللحاظي ، ولا بحث فيه ، بل المحقق في محله ان نتيجة مقدمات الحكمة ليس هذا الاطلاق بل هو الاطلاق الذاتي ، وكيف كان المدعى في المقام هو الاطلاق بحسب الذات ، وقد عرفت انه كان بحكم العقل ولا مفر منه قط ، فان عدم كون الحكم مطلقا بحسب العلم والجهل مساوق لعدمه من رأس .
ويشهد بما ذكر ما نرى ببداهة الوجدان ان الحكم إذا أنشئ فلا يخلو اما ان يكون محققا مع العلم والجهل أولا ، فعلى الثاني وجب ان لا يكون هناك حكم مجعول إذا لم يعلم به ، وهو بديهي الفساد ، والشاهد عليه ما نرى من أن الاحكام الصادرة من الموالى الظاهرية غير محتاجة إلى متمم الجعل أصلا ، مع أن الكل مكلفون بها معاقبون على ترك تعلمها ، وهل ترى ان لاحد الاعتذار بأنه لم يكن لها متمم الجعل الذي به يستكشف اشتراكها في حق العالم والجاهل . وبالجملة الامر من الوضوح بمكان لا يحتاج إلى مزيد بيان ، والعجب ما افاده قدّس سرّه من أن الحكم في مورد القصر والاتمام والجهر والاخفات مختص بالعالم به فاخذ العلم بالحكم شرطا في ثبوته واقعا ، فإنك خبير بان مذاق الأصحاب قدس سرهم ثبوت العقاب في الموردين إذا عمل على خلاف الحكم الواقعي فإنه مناف لكون العلم قيدا في ثبوت الحكم فالانصاف اطلاق الحكم في الموردين أيضا واشتراكه بين العالم والجاهل ولذا يعاقب العبد ، ولعلّه انّما حكم بالإجزاء مع أن العقاب ثابت قطعا لما ذكره المحققون في مقامه من توجيه ذلك بوجوه كان صرف النظر عنها في المقام وايكالها إلى محله أولى . ثم إنه كما لا يعقل اخذ العلم بالحكم شرطا في ثبوته واقعا كذلك اخذه مانعا له إذا حصل من سبب خاص كالقياس . وليس مرجع النهى عن
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 56
مساهمون: المحقق الداماد
ص٥٦