إلى العالم والاستفتاء منه والعمل بما سمعه من الخبير الثقة .
ولكن ليس بناء العقلاء مبنيّا على التعبّد من ناحية الآباء أو الرؤساء ، ولا على إجراء دليل الانسداد وأنّهم مع الالتفات إلى انسداد باب العلم اضطرّوا إلى العمل بالتقليد والظنّ ، ولا على اعتماد كلّ فرد في عمله على عمل سائر العقلاء وبنائهم .
بل من جهة اعتماد كلّ فرد في عمله هذا على علم نفسه والإدراك الحاصل في ضميره .
فالمراد بناء العقلاء بما هم عقلاء ، حيث إنّ الجاهل برجوعه إلى الخبير الثقة يحصل له الوثوق والاطمئنان ، وهو علم عادي تسكن به النفس ، والعلم حجّة عند العقل .
فيرجع بناء العقلاء هنا إلى حكم العقل ، حيث إنّهم لا يتقيّدون في نظامهم بالعلم التفصيلي المستند إلى الدليل في جميع المسائل ، بل يكتفون بالعلم الإجمالي أيضا . كما لا يتقيّدون بما لا يحتمل فيه الخلاف أصلا ، بل يكتفون بالوثوق والعلم العادي أيضا ، أي ما يكون احتمال الخلاف فيه ضعيفا جدا . وليس في هذا تعبّد أصلا ، لعدم التعبّد في عمل العقلاء بما هم عقلاء .
فإذا فرض أنّه في مورد خاص لم يحصل لهم الوثوق الشخصي بقول أهل الخبرة لجهة من الجهات - كما ربما يتّفق ذلك في المسائل التفريعيّة الدقيقة الخلافيّة - فإن لم يكن الموضوع مهمّا وجاز فيه التسامح أمكن أيضا العمل رجاء . وأمّا إذا كان الموضوع من الأمور المهمّة التي لا يتسامح فيها كالمريض الدائر أمره بين الحياة والموت مثلا فلا محالة يحتاطون حينئذ إن أمكن ، أو يرجعون فيه إلى خبير آخر أو شورى طبيّة مثلا .
ولا يخفى أن مسائل الدين والشريعة كلّها مهمّة لا يجوز فيها التسامح والتساهل .
وبالجملة ، فالملاك في بناء العقلاء وعملهم حصول الوثوق الشخصيّ . وليس هذا تقليدا تعبديّا ، بل هو علم عادي بنحو الإجمال يكتفي به العقلاء .
وبعبارة أخرى ، إن كان التقليد عبارة عن العمل بقول الغير من دون مطالبة الدليل فهذا يكون تقليدا ، وأمّا إذا كان عبارة عن الأخذ بقول الغير تعبّدا فعمل العقلاء ليس تقليدا ، إذ ليس بينهم تعبّد .
ويجري ما ذكرناه في جميع الأمارات العقلائيّة التي لا تأسيس فيها للشارع ، فإنّ العقلاء لا يعتمدون عليها إلّا مع حصول الوثوق والعلم العادي .
مجمع الفوائد — صفحة 274
مساهمون: الشيخ المنتظري
ص٢٧٤