والّذي يمكن أن يقال في تصوير النزاع أمور :
الأوّل : أن يكون المفروض على كلا المسلكين أنّ أحد المعنيين أقرب إلى المعنى الحقيقيّ من الآخر فيحمل عليه عند عدم القرينة ، فإنّ الأقربيّة بمنزلة أصالة الحقيقة توجب الحمل عليه في الخالي عن القرينة ، ويصحّ من المتكلّم الاتّكاء عليه كما يتّكئ على الوضع في إلقاء المعنى الحقيقيّ ، ولكنّ الصحيحيّ يدّعي أنّ الأقرب إلى المعنى اللغويّ للفظ الصلاة مثلًا - الّذي هو طلب الرحمة مثلًا - هو الصحيح بملاك أنّها مشتملة على طلب الهداية وأمثالها الّتي هي رحمة من ربّ العالمين ، ولمكان كونها صحيحةً موجبةً لجلب الرحمة الإلهيّة أقرب إلى المعنى الحقيقيّ ، والأعمّيّ يدّعي أنّ الأعمّ أقرب ، لأنّه أشبه به في عدم التأثير .
وفيه - مضافاً إلى التكلّف الظاهر في تصوير مصداق الأقربيّة وصغراها في المقام - :
أنّ الكبرى غير واضحة عند العرف .
الثاني ( 1 ) : أن يقال : إنّ مفروض المتخاصمين وجود بناء عامّ من الشارع المقدّس
شرح
( 1 ) لا بأس بالبحث عن مفهوم الصحّة والفساد تبعاً للكفاية فنقول وهو المستعان :
إنّ الصحّة المبحوث عنها في المقام هي التماميّة بالنسبة إلى الأثر المترقّب ، فالتماميّة غير الملحوظ فيها الأثر ولا جهةٌ أخرى لا تسمّى صحّةً ، فيقال « عشرة تامّة » ولا يقال « عشرة صحيحة » ، كما أنّ التماميّة بالنسبة إلى الخلقة الأصليّة صحّة لكن في قبالها المعيوب ، فالكتاب غير المرتّب أوراقه معيوب لكنّه ليس بفاسد .
والصحّة في المقام هي الّتي في قبالها الفساد لا الّتي في قبالها العيب ، والأثر المترقّب في المقام هو الأمر في العبادات والتأثير في الوضع في المعاملات ، فالصلاة الصحيحة هي الّتي تكون تامّة من حيث صلاحيّتها لتعلّق الأمر بها كما أنّ البيع الصحيح هو الصالح للتأثير ، والمقصود من الصلاحيّة هو الاشتمال على جميع ما له دخل في ترتّب الأثر من التكليف والوضع ، وأمّا سقوط الأمر بالإعادة وعدم وجوب القضاء فهو غير الصحّة ، إذ يمكن أن يكون السقوط بملاك تفويت المصلحة وعدم إمكان التدارك ، فيكون العمل فاسداً ولم يكن تداركه واجباً .
ومن ذلك يظهر أنّ في الكفاية نكات لا بدّ من التعليق عليها :
الأوّل : قوله « أنّ الصحّة عند الكلّ بمعنى واحد وهو التماميّة » ( 1 ) ، إذ قد عرفت أنّ التماميّة في مفهومها لا تحتاج إلى ما يضاف إليه ، فيقال « عشرة تامّة » ولا يقال « عشرة صحيحة » ويقال « جاءني القوم تماماً » ولا يقال
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 39 .