شرح
والنهي عند العرف في نفس الهيئة ، فإنّ مفادها في الأمر هو البعث والتحريك ومفاد النهي هو الزجر والإسكان عن التحرّك نحو الفعل من دون فرق بينهما في ناحية المتعلّق ، ومتعلّقه هو الطبيعة كما لا يخفى . ومنشأ النهي الذاتيّ هو المفسدة في الفعل ، بخلاف منشأ الأمر الذاتيّ ، فإنّ منشأه المصلحة فيه ، كما أنّ مقتضى الأوّل توليد الكراهة في النفوس الصالحة للانفعال ، بخلاف الثاني ، فإنّ مقتضى وجود المصلحة في الفعل توليد الإرادة .
فالفرق بين الأمر الذاتيّ والنهي الذاتيّ في مراتب ثلاثة : أي مرتبة الملاك ، فإنّ ملاك الأوّل هو المصلحة وملاك الثاني هو المفسدة . ومرتبة الحالة النفسانيّة ، فإنّ الملاك في الأوّل يوجب الإرادة أوّلًا وبها توجد الكراهة بالنسبة إلى نقيضه وفي الثاني يوجب الكراهة وبها توجد الإرادة بالنسبة إلى نقيضه . ومرتبة الخطاب ، فإنّ مفاد الأوّل هو البعث كما أنّ مفاد الثاني هو الزجر .
وإن شئت زد عليها مرتبة رابعة ، وهي مرتبة إعمال المولى مقصوده في الخارج ، فإنّه لو أتى في مقام العمل يحرّك العبد خارجاً في الأوّل نحو جهة ، ولازمه الزجر عن الجانب الآخر ، وفي الثاني يزجره عن جهة ، ولازمه حصول التحريك إلى جانب آخر . وهذا واضح عرفاً وشرعاً .
مضافاً إلى أنّ مقتضى ذلك أن لا يكون مثل الصوم من الواجبات - لأنّه طلب ترك المفطرات - وهو خلاف الضرورة في عرف المتشرّعة .
ولازم ما ذكرناه من تقوّم الأمر بالبعث وتقوّم النهي بالزجر أمران :
أحدهما : وجودُ الواجب الّذي هو الترك ، لمصلحة فيه موجبة لتعلّق الإرادة أوّلًا وبالذات بنفس الترك ، والكراهة عن الفعل تكون من باب حصول الإرادة وتعلّقها بالترك ، ووجودُ الحرام الّذي تعلّقت الحرمة بالترك كالفرار من الزحف ؛ بخلاف المبنى الأوّل ، فلأنّ لازمه أنّ الأمر هو الّذي تعلّق بالوجود والنهي هو الطلب المتعلّق بالترك ، فلا يكون في الشريعة أمر متعلّق بالترك ولا نهي كان المطلوب فيه هو الفعل .
ثانيهما : إمكان أن تكون طبيعةٌ واحدةٌ واجدةً لمصلحة في الفعل ومفسدةٍ في الترك مثلًا ، فيكون فيه ملاكان كالفرار من الزحف ، فإنّ الترك - أي ترك الجهاد - فيه المفسدة ولو لم يكن نفس الجهاد واجباً عليه ، والفعلَ - أي فعل الجهاد - فيه المصلحة ولو لم يكن ترك الجهاد فيه المفسدة .
ويترتّب على ذلك الأمر الثاني ثمرتان : اصوليّة وفقهيّة :
أمّا الاصوليّة فهي حجّيّة كلا الظهورين إن كان كلّ من الدليلين ظاهرين في الوجوب النفسيّ والحرمة النفسيّة ، كما لا يبعد أن يكون الفرار من الزحف من هذا القبيل ، فهو حرام بالذات وحرام بالعرض من باب ترك الجهاد .
وأمّا الفقهيّة فهي تقدّم ما فيه الملاكان على ما فيه ملاك واحد عند التزاحم مع التساوي في سائر الجهات محتملًا واحتمالًا ، فتأمّل .
وأمّا ما ذكره قدس سره في الأمر الثاني فهو حقّ على الظاهر من حيث تحقيق أصل المبحث ، فإنّ الظاهر أنّ مفاد النهي هو نفس الترك ؛ لكن ما ذكره من اختصاص النزاع بالنهي وعدم جريانه في الأمر محلّ إشكال ؛ كما أنّ فرض