العاصي بعد الحجّة بالعقوبة وتقبيحها قبل الحجّة ، فتأمل تعرف .
وشرح هذا الورود هو أنّ حكم العقل بالتحسين والتقبيح ، وبناء العقلاء على الاقتناع - في مقام الاحتجاج من الطرفين - بالأعمّ من العلم وبعض مراتب الظنّ ، وعدم الاقتناع بكلّ ظنّ وبغير تلك المراتب منه وبالشكوك والاحتمالات ، هو الذي ينتج تحسين العقوبة مع الظنّ الخاصّ على المخالفة ، وعلى كون المخالفة ظلما من العبد ، وتقبيح العقوبة مع عدم تلك المراتب من الظنّ ، وعدم تقبيح المخالفة لعدم كونها ظلما عندهم .
فبناؤهم على كون المخالفة بعد البيان ظلما من العبد والمعاقبة حسنا من المولى ، كبنائهم على كون المعاقبة قبل البيان وما يصحّ به الاحتجاج ، ظلما من المولى ، والمخالفة غير ظلم من العبد ؛ ففي الحقيقة ليس هاهنا وارد ومورود ، بل أحكام المتنافيين مختلفة باختلاف الموضوع تحقّقا .
والأدلّة السمعيّة إرشادات إلى حكم العقل في الكبريات والصغريات ؛ فهي عبارة أخرى عن مجعولات العقلاء الكليّة ، وما بنوا عليه عملا من الأحكام الجزئيّة الشخصيّة . وإن كان المناسب لحمل أدلّة البراءة النقليّة على الإرشاد إلى المرتكزات العقليّة ، هو جعل الموضوع في الأدلّة النقليّة عدم وصول التكليف بنفسه ولا بطريقه ، لا ما يشتمل على عدم وصول المؤمّن .
مباحث الأصول — صفحة 291
مساهمون: الشيخ محمد تقي بهجت
ص٢٩١