موافقة الشارع للطريقة العقلائيّة في تبليغ الأحكام
ويمكن أن يقال : إنّ الأصل موافقة الشارع للطريقة العقلائيّة في تبليغ أحكامه وقوانينه ؛ فكلّ ما علم من العقلاء حجيّته بين الموالي والعبيد ، فهو حجّة شرعا ما لم يردع عنه ؛ فإنّه لا يحتمل من الشرع اختراع طريق غير علمي خاصّ ، وإنّما المعهود منه إمضاؤه لطريقة العقلاء أو ردعه ؛ والأصل إمضاؤه إلّا في ما علم الردع عنه ، لأنّ العمل المستمرّ من العقلاء على معاملة العلم مع طريق ظنّي خاص ، لا يمكن أن يكون الردع الشرعي عنه مختفيا ، مع أنّه كأحد من العقلاء ، بل رئيسهم في جميع الموارد حتّى أنّه في أعماله العادية يعمل كعملهم ، فكيف يتصوّر فيه إخفاء الردع أو عدم الإعلان به .
هذا ، مع أنّ أقوى ما ردع عنه ، الظنّ القياسي ؛ وإنّما نبّه الشرع على أنّه غالب المخالفة . والطريق العقلائي متقوّم الطريقيّة بغلبة المصادفة للواقع ، فليس إلّا لمكان أنّ المظنون إذا كان ممّا يخرج عن النظامات الدنيويّة ، فلا اطلاع للعقل بالمصالح المرتبطة بها والمفاسد فيها ، فلا يحصل له الظنّ بالتشبيه مع ملاحظة بناء الشرع العالم لمطلق المصالح والمفاسد على الجمع بين المتفرّقات والتفريق بين المتشابهات ؛ فكل من إمضائه وردعه ، إرشاد إلى غلبة الوصول بالطريق العقلائي وغلبة عدمه في الظنّ القياسي إلّا في الأمور المتمحّضة في العاديات الغير المربوطة بالتشريعيّات .
وعليه ، فالأصل في الطرق العقلائية التي هي معمول بها لديهم على الاستمرار ، الإمضاء الإرشادي من الشرع إلّا في ما علم فيه الردع الإرشادي المعلن به .