شرعا .
وثانيهما - أن المشاهد من العقلاء ليس إلا الفرار عن الضرر الدنيوي لئلا يقعوا فيه ، لا لئلا يقعوا في ذمّه .
فليس هذا الفرار منهم بما هم عقلاء بملاك رعاية المدح والذم العقلائي حتى يجدي هنا ، بل بما هم ذوو شعور يحبون أنفسهم ويبغضون ما يؤذيهم على حد فرار سائر أنواع الحيوانات من المؤذيات .
وليس ذمهم على من لا يفر من الضرر البحث إلا من باب الذم على عدم شعوره ، لا الذم على الفعل بما هو .
والتحقيق : أن بناء المدح والذم - الذي هو ملاك التحسين والتقبيح العقلائيين كما مرّ مرارا « 1 » - على كون الفعل ذا مصلحة عامة وذا مفسدة عامة ، بحيث لولا هذا المدح والذم الذي هو أول موجبات انحفاظ النظام وأول موانع اختلاله لكانت الطباع البشرية مقتضية للاقدام عليه ، كما في الاضرار بالغير بالاقدام على قتاله ، أو التعرض لعياله ، أو سلب ماله ، لا الاضرار بالنفس بلا فائدة عائدة إليه ، فان الزاجر الطبيعي ، وهو كونه منافرا له في حدّ ذاته كاف في الزّجر عنه ، فان ما يلحقه منه أعظم مما يلحقه من ذم العقلاء .
فالبناء العقلائي على المدح والذم إنما هو فيما لم يكن هناك باعث طبيعي أو زاجر طبيعي ، وهو في الاحسان بالغير والإساءة إليه ، لا في الاحسان إلى نفسه بجلب منفعة أو الإساءة إليه بالاقدام على مضرة .
ويشهد لما ذكرنا من عدم قبح الاضرار بالنفس أنه لو كان كالاضرار بالغير ظلما قبيحا لو خلي ونفسه لما ارتفع قبحه بمجرد عود منفعة إليه ، كما لا
هامش
( 1 ) منها ما تقدم في مبحث الانسداد التعليقة 145 . ومنها ما تقدم في مبحث حجية القطع التعليقة 10 و 21 نهاية الدراية 3 . ومنها ما تقدم في التعليقة السابقة 29 .