شرح
بتقريب : أن المراد من الموصول هو التكليف ، والمراد من الإيتاء هو الإعلام ، وبيان التكليف وإيصاله إلى المكلف ، فيكون معنى الآية حينئذ : « لا يكلف الله نفسا إلا تكليفا أعلمها به وأوصله إليها فالتكليف الذي لم يصل إلى المكلف مرفوع عنه ، فدلالة الآية على البراءة على هذا الاحتمال واضحة .
والجواب عنها : أن كون التكليف مرادا من الموصول مجرد احتمال ؛ بل ينافي مورد الآية وهو المال ، فالمراد من الموصول هو : المال ، والمراد من الإيتاء هو : الإعطاء ، فمعنى الآية : لا يكلف الله نفسا إلا ما أعطاها من المال . فالآية أجنبية عن مسألة البراءة .
2 - وأما قوله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهافناظر إلى اشتراط التكليف بالقدرة ، فمفادها عدم صحة التكليف بغير المقدور ، فلا ربط لها بمسألة البراءة أصلا .
وكذلك قوله تعالى :لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍليس مفادها نفي التكليف قبل البيان ؛ بل المراد من الهلكة : هو الموت ، والمراد من الحياة : هو الإسلام ، والمراد من البينة : هو خصوص المعجزة الدالة على صدق نبوة نبينا محمد « صلى الله عليه وآله سلم » .
فلا علاقة بمسألة البراءة أصلا .
3 - أظهر الآيات : قوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
وجه الأظهرية : أن هذه الآية ظاهرة في نفي العذاب قبل بيان الأحكام ؛ لأن بعث الرسول كناية عن بيان الأحكام للأنام ، فلا عقاب على مخالفة التكليف غير الواصل إلى المكلف ، وهذا معنى البراءة .
وعمدة الإيراد على الاستدلال بهذه الآية : أن دلالة الآية على البراءة تتوقف على ثبوت الملازمة بين نفي فعلية التعذيب وبين نفي استحقاقه ، فبالآية تنفي فعلية العذاب ، وبالملازمة ينفي استحقاقه ، ولازم عدم الاستحقاق : عدم التكليف . هذا معنى البراءة .
والجواب عنها : هو عدم ثبوت الملازمة بينهما ؛ لأن المنفي بالآية فعلية العذاب ، ونفي الفعلية لا يدل على نفي الاستحقاق ؛ إذ ربما لا يكون العذاب فعليا من باب التفضل والمنّة مع ثبوت الاستحقاق ، مع أن محل الكلام بين الأصولي والأخباري هو نفي الاستحقاق الكاشف عن عدم التكليف ، فهذه الآية لا تدل على البراءة .
4 - رأي المصنف « قدس سره » :
هو عدم تمامية دلالة الآيات على البراءة .