فلا محيص ( 1 ) في مثله ( 2 ) إلا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أيضا كما في المبدأ الأعلى ؛ لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي ، بمعنى : كونه على صفة ونحو لو علم به المكلف لتنجز عليه ؛ كسائر التكاليف الفعلية التي تتنجز بسبب القطع بها ، وكونه فعليا إنما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبوية أو الولوية ؛ فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة فيه .
شرح
( 1 ) هذا هو الجواب الثالث عن محذور اجتماع الحكمين ، أو طلب الضدين ، وهو جواب عن محذور الاجتماع في جميع الأحكام الظاهرية ، سواء ثبتت بالأمارة أم بالأصل .
( 2 ) أي : في مثل بعض الأصول ، وأشار بقوله : « في مثله » إلى جريان الوجه الذي سيذكره في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري - في غير أصالة الإباحة ؛ بل كل حكم ظاهري نفسي ، سواء كان في الأمارات على القول به ، أم في غيرها كالاستصحاب على ما يظهر منه « قدس سره » في باب الاستصحاب من التزامه بجعل الحكم المماثل .
وكيف كان ؛ فمحصل مرامه في هذا الجمع هو إنكار انقداح الإرادة والكراهة في بعض المبادئ العالية ، وتوقفه على عدم الإذن لمصلحة فيه ؛ لما عرفت : من أنه على تقدير انقداحهما يلزم اجتماع النقيضين ، فضلا عن اجتماع الضدين في نفس الحكمين ؛ لتضاد الإباحة مع الحرمة أو الكراهة ، ومناقضة الإرادة أو الكراهة مع الإباحة لعدمهما المنكشف بالإباحة الظاهرية . وبالجملة : فلا بعث ولا زجر في الحكم الواقعي ولا تنجز له أيضا ، وفعليته - أي : تنجزه - معلقة على قيام الأمارة عليه .
وأما الحكم الظاهري : فهو فعلي حتمي ، فيجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بأن كلا الحكمين فعلي ، غاية الأمر : أن الواقعي فعلي تعليقي ، والظاهري فعلي حتمي ، ولا مضادة بينهما ؛ لاختلاف رتبتهما ؛ كما في « منتهى الدراية ، ج 4 ، ص 231 » .
وكيف كان ؛ فقوله : « فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام » إشارة إلى الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري الذي يجري في موارد الأصول والأمارات على حد سواء ، وحاصله : عدم كون الأحكام الواقعية فعلية ، فلا تكون معها إرادة أو كراهة كما أشار إليه بقوله : « بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية » كالنبي « صلى الله عليه وآله وسلم » والولي « عليه السلام » « أيضا ، كما في المبدأ الأعلى » كالله تعالى ، فلا يلزم اجتماع إرادة وكراهة ، ولا إيجاب وتحريم واقعيين . وبهذا يرتفع الإشكال في الجمع بين الأصول والأمارات وبين الأحكام الواقعية المنافية لهما .