شرح
على مقدمة وهي : أن المسائل الأصولية - على ما هو مختار المصنف كما تقدم - في أوّل الكتاب - على قسمين :
الأول : أن المسألة الأصولية تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي الفرعي ، كبحث حجيّة خبر الواحد ، حيث أن نتيجة البحث هي الحجيّة ، فتقع في طريق الاستنباط ، فيقال : إن هذا ما دل خبر العادل على وجوبه ، وكل ما دل خبر العادل على وجوبه فهو واجب ، فهذا واجب .
وبعبارة أخرى : المسألة الأصولية يصحّ جعلها كبرى للصغريات الوجدانية حتى تنتج الحكم الفرعي مثل أن يقال : هذه مقدمة الواجب ، وكل مقدمة الواجب واجبة ، فهذه واجبة .
الثاني : ما ينتهي إليه الفقيه في مقام العمل ؛ كالاستصحاب والبراءة ونحوهما مما يعمل بها عند اليأس عن الدليل الاجتهادي .
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن أحكام القطع ليست كذلك ، أي : لا تقع في طريق الاستنباط ، ولا ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل .
وأما عدم كونها من القسم الأول : فلأنه لا يصح أن يقال : الخمر معلوم الحرمة ، وكل معلوم الحرمة حرام ، فالخمر حرام ؛ إذ يلزم منه كون الشيء سببا لنفسه لأنه صار العلم بحرمة الخمر سببا للعلم بحرمة الخمر .
وإن عكست وقلت : هذا معلوم الخمرية ، وكل معلوم الخمرية حرام ، فهذا حرام يلزم أن يكون العلم جزء الموضوع ، ويكون التحريم عارضا على معلوم الخمرية لا على نفس الخمر ، وهو خلف ؛ لأن التحريم يعرض نفس الخمر حيث قال الشارع : الخمر حرام كما في قوله تعالى :إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ« 1 » ، يعني : يجب الاجتناب عن الخمر لا عن الخمر المعلوم .
فالمتحصل : أنه يلزم من جعل مسائل القطع كبرى أحد المحذورين ، إما اتحاد السبب والمسبب ، وإمّا الخلف ، وكلاهما محال وباطل .
وأما عدم كونها من القسم الثاني : فلأن هذه المباحث ليست مما ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل بعد الفحص والبحث عن الأدلة الاجتهادية ؛ لأن حجيّة القطع ليست منوطة بالفحص والبحث عن الدليل الاجتهادي ، بخلاف ما ينتهي إليه الفقيه كالاستصحاب
هامش
( 1 ) المائدة : 90 .