إذا عرفت ما ذكرنا ، فقد تصدى غير واحد من الأفاضل لإقامة البرهان على الملازمة ، وما أتى منهم بواحد ( 1 ) خال عن الخلل ، والأولى إحالة ذلك إلى الوجدان ؛ حيث إنّه ( 2 ) أقوى شاهد على أن الإنسان إذا أراد شيئا له مقدمات أراد تلك
شرح
جريان الأصل : في المقدمة حينئذ يستلزم التناقض ؛ حيث إن المفروض : وجوب المقدمة فعلا ، ومقتضى الأصل عدمه كذلك ، فحينئذ يجتمع الوجوب الفعلي وعدمه على المقدمة .
أما الأول : فللملازمة . وأما الثاني : فللأصل ، وليس هذا إلّا التناقض .
قوله : « نعم ؛ لو كانت الدعوى . . . » إلخ استدراك على قوله : « لا ينافي الملازمة » .
وحاصله : أنه تتحقق المنافاة بينهما إذا كان المدّعى الملازمة المطلقة حتى في مرتبة الفعلية ، فلا يصح حينئذ جريان الأصل في وجوب المقدمة ؛ حيث إن مقتضى الملازمة المطلقة - مع فرض وجوب ذي المقدمة - هو : العلم بوجوب المقدمة بطريق اللم ، فالشك البدوي في وجوبها يرتفع بالعلم بوجوب ذيها ، ومع هذا العلم الموجب للعلم بوجوب المقدمة لا مجال لجريان الأصل في عدم وجوبها . وقد أشار إليه بقوله : « لما صحّ التمسك بالأصل » ؛ لعدم الموضوع للأصل ، حيث إن موضوعه هو الشك ، والمفروض : انتفاؤه .
( 1 ) أي : ما أتى منهم ببرهان واحد خال عن الخلل ، ولا داعي لإيراد تلك البراهين ؛ إذ ليس ذكرها إلّا التطويل بلا طائل .
( 2 ) أي : الوجدان أكبر قاض وأقوى شاهد على : أن الإنسان إذا أراد شيئا متوقفا على مقدمات أراد تلك المقدمات قهرا لو التفت إليها ، واحتج بمثل هذا صاحب التقريرات « رحمه اللّه » ، وقد عزاه في البدائع إلى جمع من الأعيان كالمحقق الدواني ، والمحقق الطوسي ، وسيد الحكماء المير محمد باقر الداماد ، وهو أقوى الأدلة التي استدل بها في المقام .
وحاصل هذا البرهان : أن الوجدان يحكم بالملازمة بين إرادة شيء ، وإرادة مقدماته ، لو التفت المريد إلى تلك المقدمات ؛ بل قد يأمر المولى عبده بها مولويا ؛ كما يأمر بنفس ذلك الشيء فيقول مولويا : « ادخل السوق واشتر اللحم » ، فالأمر بدخول السوق - الذي هو مقدمة - يكون مولويا كالأمر بذي المقدمة وهو شراء اللحم ، والتفاوت بينهما : أن الشراء ابتدائي والدخول تبعي ، وأنه حيث تعلقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء ؛ ترشحت من هذه الإرادة للمولى إرادة أخرى بدخول السوق ؛ بعد الالتفات إلى لزوم الدخول لكونه مقدمة للواجب .