الثاني :
إنه لما كان النهي عن الشيء إنما هو لأجل أن يصير داعيا للمكلف نحو تركه ، لو لم يكن له داع آخر - ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به ، وأما ما لا ابتلاء به بحسبها ، فليس للنهي عنه موقع أصلا ، ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل ، بل يكون من قبيل طلب الحاصل - كان الابتلاء بجميع الأطراف مما لا بد منه في تأثير العلم ، فإنه بدونه لا علم بتكليف فعليّ ، لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به .
شرح
( قوله : الثاني انّه لما كان النهي عن الشيء . . . إلخ ) اعلم انّه لمّا كان الغرض من النهي عن الشيء ان يصير النهي رادعا للمكلّف عن ارتكابه فلا بدّ ان يكون النهي فيما يمكن الابتلاء به عادة ، وامّا فيما لا يمكن عادة فلا يصحّ النهي عنه إلّا بنحو الشرط والتعليق بالإمكان ، وذلك لأنّ النهي حينئذ يصير بلا فائدة وهو قبيح عن العاقل فضلا عن الحكيم .
إذا عرفت ذلك ظهر لك انّه لا بدّ في تأثير العلم الإجمالي في التنجز من الابتلاء بجميع الأطراف ، فانّه بدونه لا علم بتكليف فعليّ لأنّه بالإضافة إلى غير محل الابتلاء فليس بفعلي قطعا لما ذكرناه من عدم قابليّة المحلّ لتوجه النهي بالإضافة إليه بنحو الإطلاق وامّا بالنظر إلى محل الابتلاء فتوجه التكليف بالإضافة إليه مشكوك لاحتمال انطباق المحرم مع ما يكون خارجا عن محل الابتلاء فيصير التكليف بهذا الاعتبار مشكوكا رأسا فلا حكم للعقل بالاجتناب قطعا ، هذا فيما كان خروج أحد الأطراف عن محل الابتلاء معلوما ، وامّا إذا شككنا في انّ هذا هل يكون خارجا عن محل الابتلاء أو داخلا ، فالحكم في مثله بمقتضى القاعدة هو البراءة ، اللهم إلّا ان يكون في المقام دليل اجتهادي فيكون هو المتبع لوروده على أصل البراءة ، والمرجع في المقام هو البراءة ، وليس دليل اجتهادي في البين سوى ما توهم من إطلاق الخطاب ، وذلك لأنّ الأمر يرجع إلى