وقد عرفت أن الطبيعة بما هي هي ليست إلا هي ، لا يعقل أن يتعلق بها طلب لتوجد أو تترك ، وأنه لا بد في تعلق الطلب من لحاظ الوجود أو العدم معها ، فيلاحظ وجودها فيطلبه ويبعث إليه ، كي يكون ويصدر منه ، هذا بناء على أصالة الوجود .
وأما بناء على أصالة الماهية ، فمتعلق الطلب ليس هو الطبيعة بما هي أيضا ، بل بما هي بنفسها في الخارج ، فيطلبها كذلك لكي يجعلها بنفسها من الخارجيات والأعيان الثابتات ، لا بوجودها كما كان الأمر بالعكس على أصالة الوجود .
وكيف كان فيلحظ الآمر ما هو المقصود من الماهية الخارجية أو الوجود ، فيطلبه ويبعث نحوه ليصدر منه ويكون ما لم يكن ، فافهم وتأمل جيدا .
شرح
انّ الطلب يكون من الأمور الإضافية ولا بد له في تحققه من أمور ثلاثة يكون بها قوامه ، بحيث لولاها لما كان له تحقّق أصلا : الطالب ، والمطلوب ، والمطلوب منه ، إذا عرفت ذلك ظهر لك بأنّ الطلب لا يمكن ان يوجد ويتحقّق الا بعد وجود ما به قوامه من الطالب ، والمطلوب منه والمطلوب ، لا كلام في الأولين ، وامّا الثالث أعني المطلوب فالمراد بوجوده اللازم في تحقق الطلب لا يكاد ان يكون هو الوجود الخارجي ، لأنّ تعلّق الطلب بالوجود الخارجي طلب للحاصل ، فلا بدّ ان يكون المراد به الوجود الذهني ، لكن لا بما هو موجود في الذهن ، فانّه أيضا غير معقول ان يتعلق به الطلب كما هو واضح ، بل هو هو مع قطع النّظر عن الذهن ، فالشيء الفلاني مع قطع النّظر عن وجوده خارجا وذهنا كلّي لا يمتنع صدقه على كثيرين ، فثبت بذلك كلّه انّ متعلّق الطلب لا يمكن ان يكون إلّا كليّا فينتج بأنّ متعلّق الأمر هو الطبيعة لا الافراد ، وذلك بضميمة ما أفاده مدّ ظلّه أيضا في المقام يتمّ المطلوب ، وهو انّ الطلب انّما يتعلّق بالإيجاد ، والإيجاد يتعلّق بالطبيعة