وقد اتضح من هذا أنّ مراتب الوضع ثلاثة ، مرحلة الثبوت ، والإمكان ، والوقوع .
وادعى المحقق صاحب الكفاية ، عدم وقوع الثالث ، وإن كان ممكنا ، وقال :
إنّ الوضع والموضوع له ، بل والمستعمل فيه عام في جميع الحروف ، وما الحق بها ، كالضمائر وأسماء الإشارة ، ووافقه الشيخ عبد الكريم في الدرر .
ويمكن تقريب مذهب المشهور في المعنى الحرفي وما ألحق به بأمور :
أولها : أنّ معنى الحروف ربطي ، ومثله لا يصدق على كثيرين بالضرورة ، لاستدعاء الربط تصوره أو تحققه بين طرفين .
وفيه : أنّ كلي الربط ، لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين بخلاف الربط الخاص ، والربط الخاص المتحقق خارجا ، مصداق من مصاديق كلي الربط ، وهذا الاستدلال مبني على الخلط بين المصداق والمفهوم .
ثانيها : أنّ معنى الحرف معنى قائم في غيره ، فهو نظير العرض بالنسبة لمحله ، ويظهر ما فيه مما قدمناه آنفا .
ثالثها : أنّ ( من ) مثلا حرف معناه كلي الابتداء ، وأنّها موضوعة لخصوصيات الابتداء ، وأنّها تستعمل في مصاديقه وأفراده استعمالا حقيقيا ، ومثلها سائر الحروف ، وأسماء الإشارة ، والضمائر ، فعند ما يقول القائل : سرت من البصرة يقصد الابتداء المتشخص ، ولا ريب أنّ هذا الاستعمال حقيقي لا مجازي ، ولو كان الموضوع له والمستعمل فيه عاما لاستعمل فيه ولو مرّة ، ولو كان حقيقة فيه دون الموارد الخاصة للزم كونه مستعملا في الموارد الخاصة مجازا ، ولا يلتزم به أحد .
ويمكن تقريب ما ادعاه في الكفاية بما قرّبه به وهو :
البداية والكفاية — صفحة 17
مساهمون: الشيخ محمد تقي الفقيه
ص١٧