ويظهر لي بعد مزاولة هذا البحث في فترات الدرس والتدريس إمكان الجمع بين الأقوال وذلك بأن يقال :
يمكن أن يحمل قول من يقول بأنّ الموضوع له في الحروف وما ألحق بها خاص ، والمستعمل فيه فيها خاص ، ناشئ وناظر إلى موارد الاستعمال لأنّها مما يمتنع فيها الصدق على كثيرين ، فلا يمكن أن يكون عاما .
ويمكن أن يحمل قول من يقول بأنّه عام ، والمستعمل فيه عام أنّه ناشئ وناظر إلى استحالة أخذ خصوصيات الاستعمال التي هي متأخرة رتبة عن الموضوع له فيهما .
كل ذلك بعد اتفاق كلا الطرفين على أنّ معنى الحرف معنى ربطيّ ، وأنّه لحاظيّ وأنّه قائم في غيره ، ولكنهما غفلا عن أنّ المقصود بالربط كليّ الربط بين الابتداء والمبتدأ منه ، وأنّ هذا المعنى موجود في جميع الحروف وما ألحق بها ، وأنّ هذا المعنى لا يظهر من لفظ ( من ) ، ولا يتحقق خارجا إلا في مقام استعمالها ، وأنّ جميع ما نحن فيه نظير الكلي الطبيعي ومصاديقه في التكوينيات ، فمفهوم الإنسان هو الحيوان الناطق ، وهو مفهوم عام لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، ولكن تحققه خارجا وتشخصه لا ينفك عن الخصوصيات المميزة للفرد الذي وجد فيه عن سائر الأفراد ، وقد غفلوا عن أنّ قولنا زيد إنسان نظير قولنا من للابتداء الربطي ، وان مفهوم الابتداء الربطي نظير مفهوم الإنسان ، وان ( من ) في قولنا سرت من البصرة ، نظير ولادة زيد من بطن أمه ، وان هذه
الخصوصيات المفرّدة في ( من ) وفي ( زيد ) لا توجب دخول خصوصياتها في مفهوم الإنسان ، ولا في مفهوم الابتداء .
البداية والكفاية — صفحة 20
مساهمون: الشيخ محمد تقي الفقيه
ص٢٠