الأمر الثاني : في الوضع وشؤونه :
حقيقة الوضع
الكلام في الوضع من جهات :
الأولى : اعلم أنّ اللفظ يسمى موضوعا ، والمعنى موضوعا له ، وفاعل الوضع يسمى واضعا ، ونتيجة ذلك كله تسمى وضعا ، بمعنى اسم المصدر .
الثانية : اختلف الناس في الواضع ، فقيل : هو اللّه سبحانه ، بواسطة الرسل ، أو بنحو الإلهام ، وقيل : البشر ، وقيل : إنّ دلالة اللفظ على المعنى طبيعية وهو المحكي عن الصيمري ، وقيل غير ذلك ، وقد سئل الصميري عن معنى لفظ ( سنك ) ، وهو لفظ فارسي معناه الحجر ، فأطرق ثم قال : إنني أجد فيه قساوة وأظنه الحجر .
الثالثة : اعلم أنّ الواضع عندما يريد الوضع ، لا بد وأن يتصور المعنى ، ثم يستحضر اللفظ ثم يضعه ، ولا ريب أنّه لا علاقة بين اللفظ والمعنى قبل الوضع ، ولا ريب أنّ العلقة تحدث بينهما بعد الوضع ، ومن لوازمها بعد العلم بالوضع حضور صورة المعنى في ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ ، وهذه العلقة منتزعة عن إضافته له ، فيقال : معنى لفظ ( قام ) مثلا ، كذا .
ثم إنّ هذه العلقة هل هي من الأمور الانتزاعية التابعة لواقعها الذي هو منشأ انتزاعها لواقعها نظير الفوقية والتحتية ، أو أنّها من الأمور الاعتبارية التي لا واقع لها بدون اعتبار المعتبر ، احتمالان : أقربهما الأوّل ، ويتفرع عليه أنّه على الثاني لا بد وأن تكون ملحوظة للواضع ومجعولة له مستقلة أو تبعا .
الرابعة : اعلم أن اللفظ الذي يضعه الواضع ، هو طبيعي اللفظ لا شخصه سواء كان معناه خاصا أم عاما ، فإنّ لفظ ( زيد ) مثلا يحكي عن طبيعة هذا