وعليه فالطريق الصحيح لإثبات الإمكان هو الوقوع لا دعوى الجزم ولا دعوى أصالة الإمكان العقلائية . « 1 »
هذا وقد يقال - في صالح دعوى الشيخ الأعظم انعقاد السيرة العقلائية المتقدمة - بأن لابن سينا عبارة مشهورة ، وهي كل ما طرق سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه واضح البرهان ، فإن هذه تدلّ على انعقاد سيرة العقلاء على الحكم بالإمكان عند الشكّ ، حيث قال : فذره في بقعة الإمكان .
ويرده : إنه ليس المراد من الإمكان في العبارة المذكورة ما يقابل الاستحالة بل الإمكان بمعنى الاحتمال الذي يقابله القطع واليقين ، فإنك تقول أحيانا : يمكن نزول المطر هذا اليوم أو يمكن مجيء الحجّاج هذا اليوم ، فإن المقصود يحتمل نزول المطر ومجيء الحجاج في مقابل دعوى القطع بعدم ذلك ، والمقصود من الإمكان في عبارة ابن سينا هو هذا ، أي الإمكان بمعنى الاحتمال وليس بالمعنى المقابل للاستحالة . « 2 »
وإذا قلت : هذا وجيه ، ولكن لم لا نقول : إن كلامنا ونزاعنا مع ابن قبة هو في الإمكان وعدمه بهذا المعنى فهو يقول : لا يمكن ، أي لا يحتمل ثبوت الحجية للأمارة بينما نحن نقول : يمكن ، أي يحتمل ذلك ، وبناء عليه تتمّ السيرة التي ادعاها الشيخ الأعظم ويكون إثباتها بكلام ابن سينا أمرا وجيها .
هامش
( 1 ) قد يعلّق على ما أفاده الشيخ المصنف بأن الإمكان إذا لم يثبت في المرحلة السابقة فلا يمكن الجزم بالوقوع ، بل يلزم تأويل ما ظاهره الوقوع وحمله على بعض المحامل ، نظير عصيان الأنبياء فإنه حيث لا يمكن فلا بدّ من تأويل ما ظاهره الوقوع .
( 2 ) ولعلّ ذلك بقرينة التعبير بالغرائب ، فإنه يتناسب مع الاحتمال ، إذ هو يطلق على الأمور الممكنة دون المستحيلة .