تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكافي في أصول الفقه — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وإنما الكلام في وجود الدواعي العقلية ، وهي التي تدعو العاقل بما هو عاقل مجرد عن كل داع خارج عن العقل ، وهي دواعي الحسن والقبح . فقد اشتهر النزاع بين العدلية والأشاعرة في ذلك . فادعى العدلية ثبوت الحسن والقبح في الأشياء في الجملة ، وأنكر ذلك الأشاعرة ، فليس الحسن والقبيح عندهم إلا ما حسّنه الشارع أو قبحه . وبدونه فالأشياء كلها على نحو واحد ليس فيها حسن ولا قبيح . والحق الأول . وقد يستدل عليه بوجوه ، لعل الأولى الاقتصار على وجهين منها . أولهما : الوجدان . فإن الإنسان بوجدانه المجرد عن شوائب الشبهات والأوهام ، والبعيد عن الدواعي الخارجية - الشهوية والغضبية وغيرها - يرى أن في الأفعال ما هو حسن ينبغي فعله ، ويمدح فاعله - كالصدق والوفاء والإحسان والإيثار - وما هو قبيح ينبغي تركه ويذم فاعله - كالكذب والخيانة وإيذاء الغير والتعدي عليه - وإنكار ذلك مكابرة لا يصغى إليها . وربما تبتني على شبهات أو عواطف تخرج بالإنسان عما يحسه ويدركه بضميره ووجدانه . نعم لا إشكال في أن جهات الحسن والقبح في تلك الأفعال قد تزاحم بجهات تضادها ، فيكون المعيار في فعلية الداعوية على الأهمية ، كما هو الحال في جميع موارد تزاحم الداعويتين من سنخ واحد ، فالكذب الذي تندفع به مفسدة مهمة عقلا لا يخرج في الحقيقة عن القبح ، والصدق الذي يترتب عليه مفسدة مهمة لا يخرج عن الحسن ، بل تسقط داعوية قبح الأول وحسن الثاني بسبب أهمية داعوية الجهة المزاحمة المترتبة عليهما . ولعل هذا هو مرادهم من أن الحسن والقبح في هذه الأمور عرضيان غير ذاتيين ، وأنها مقتضية لهما لا علة تامة . وإن كان ظاهرهم انقلابها عما هي عليه