بعض ، وعلّمهم فوق هذا كله ما لم يحاوله أيما رجل آخر في العالم مجرد محاولة ، اعني كيف يمكن إشاعة الوثام بين أديان العالم المتنازعة .
فعلى الرغم من أنه كان ، بإقرار الجميع ، أعظم البشر فقد اعتبر نفسه مجرد عضو عادي من أعضاء الجنس البشري بعامّة : « إن أنا إلّا بشر مثلكم » . فللرجل والمرأة ، والسيد والخادم ، والملك والرعية ، لهؤلاء جميعا حقوقهم المتبادلة . وهذه المساواة بين الانسان والانسان لم تشكّل موضوعا للعظات اللفظية فحسب ، بل طبّقت بكثير من الدقة « الحنبلية » في الحياة اليومية أيضا . ففي الصلوات التي تؤدى خمس مرات كل يوم يقف الملك والفلاح كتفا إلى كتف في حضرة ربهما المشترك الذي في السماء . والعبد الرقيق يجب ان يتمتع بنفس الحقوق المدينة التي يتمتع بها الرجل ذو المحتد الكريم ، وهو مبدأ حرص الرسول على إظهاره فأمّر زيدا ، عبده المعتق ، على جمهرة من القرشيين المعتزين بأحسابهم . وفي ما يتصل بالمساواة بين القبائل والأمم لم يجعل اللّه الناس شعوبا وقبائل لكي تكون لبعضها أية أفضلية على بعضها الآخر . لا ، لقد جعلهم كذلك ليتعارفوا . فالقومية ، كما علّم الرسول ، ليست هي محك العظمة ، إذ أن « أكرمكم عند اللّه أتقاكم » . ليس هذا فحسب ، بل لقد وفّق فوق ذلك كله إلى إيقاع الانسجام بين أديان العالم المتعارضة بأن جعل في جملة مبادئ الايمان الأساسية المفروضة على كل مسلم أن يؤمن بأنبياء العالم كلهم ، أيا ما كان الأقوام الذين بعثوا إليهم ، ايمانه بمحمد نفسه . لقد علّم الناس - وهذه الحقيقة لم تجد تعبيرها عند أيما نبيّ آخر - أنه ليس من أمة على وجه الأرض إلا ولها من أبنائها رسول الهي . والواقع ، ان الايمان بجميع المصلحين الدينيين ، الذين بعثوا بين حين وآخر ، هو المبدأ الوحيد الذي يستطيع ان يكون « حقل لقاء » بين أنظمة العالم الدينية على اختلافها . كذلك علّم اتباعه ان يحجموا عن الطعن حتى
حياة محمد ورسالته — صفحة 287
مساهمون: مولانا محمد علي
ص٢٨٧