تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
روح العصر نفسها . وبكلمة أخرى ، انهم يظهرون ، إذا جاز التعبير ، في سياق التطور العادي . أما الرسول محمد فقد مثّل كل ما كان متناقضا أكمل التناقض مع حالة المجتمع العربي آنذاك . لقد تعين عليه أن يؤدي رسالته في غمرة من الفكرات السائدة لعهده . كانت الوثنية والشرك هما القاعدة الغالبة في تلك الأيام . ولكن الرسول تكشّف ، وهو بعد في السادسة عشرة من عمره ، عن مقت شديد للأصنام . وكانت الخرافة تحجب ضياء العقل . ومن ثم كان المجتمع مغلّفا بطبقات من الجهل كثيفة . فهل في مستطاع جوّ كهذا أن يخلق عقلا فلسفيا كعقل الرسول محمد ؟ وفي طول بلاد العرب وعرضها كان الافراد يفتخرون بالثورة على قبائلهم ، في حين كانت هذه القبائل تكره ، بدورها ، فكرة السلطة المركزية . وليس بإمكان المرء أن يتوقع - في ظل هذه الأحوال ، وخلال سير الأحداث العادي - ظهور رجل ينادي بمبدأ التناغم والوحدة . وكانت الخمر ، والميسر ، والزنا مألوفة عند العرب ينفقون فيها أوقات فراغهم كلها . وكان قتل الأولاد ( الوأد ) شائعا بينهم أيضا ، وكانت المرأة تعامل معاملة المتاع ، وواضح ان هذه الأوضاع كانت عاجزة في ذات نفسها عن إقامة قلعة أخلاقية أو اطلاع محرر للمرأة . والحق أن اليد الإلهية نفسها ، التي تعدّ الجوهرة الصافية في أشد الاعماق ظلاما ، هي التي ابدعت واحتضنت هذا النور بعنايتها المباشرة لكي ينفذ خلل تلك السحب الكثيفة من الفساد الغامر ، ويضيء كلّ بقعة على ظهر الأرض . أما ميزة الرسول العظمى والأخيرة فهي انه وضع الأساس لسلم كونيّ . انه لم يكتف بتعليم الناس كيف يستطيع المرء ان يحيا في سلام مع امرئ آخر ، بل علّمهم أيضا كيف تستطيع الأسر المختلفة وشعوب الجنس البشري المتباينة ان تحيا في سلام وتناغم بعضها مع