تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
وكان هذا ، في الواقع ، ضربا من نبوءة تبشر باسلام شبه الجزيرة كلها ، بحيث لا يبقى فيها مشرك حتى يحجّ البيت . ولقد انضوت الجزيرة برمّتها في السنة العاشرة ، كما لاحظنا من قبل ، تحت لواء الاسلام ، وتوجّه الرسول بنفسه في تلك السنة إلى مكة ليؤدي فريضة الحج . يا له من مشهد مؤثّر ! لقد احتشد مئة وأربعة وعشرون ألف شخص من مختلف ارجاء بلاد العرب ، ذلك الموسم ، وليس فيهم مشرك فرد . إن الموطن نفسه الذي نبذ الرسول وأنكره ، في مستهل بعثته ، كان الآن مسرحا لتقديم أروع الولاء له . فحيثما سرّح طرفه رأى حشودا من الأصدقاء المتفانين في الاخلاص له . يا له مظهرا ملهما من مظاهر القوة الإلهية ! وإن في ميسور القارئ ان يتخيّل مدى تأثّر أولئك القوم كلهم بجلال الاله ورهبته . وفيما لاحظ الرسول هذا البرهان الرائع على انتصار الحق النهائي أفهم من طرف خفي ان رسالته على الأرض قد أدّيت . لقد كلّلت جهوده بالنجاح ، كما لم يقدّر قط ، ولن يقدّر ابدا ، لجهود الانسان أن تنجح . وهكذا كان الأوان قد حان لانسحابه من هذه الحياة الأرضية بعد أن أنجز هدفها الرئيسي : فمن ناحية ، كانت « بلاد العرب » كلها قد اعتنقت الاسلام ، في حين كان الدين نفسه ، من ناحية ثانية ، قد بلغ اسمى غايات الكمال . وهبط الوحي الإلهي لينبئ الرسول :
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . »
* وهكذا لم يعد ثمة ، منذ اليوم ، أيما حاجة لظهور رسول جديد . فقد أحاط القرآن الكريم بحاجات الانسان الدينية كلها . وخليق بهذا القرآن أن يكون هو وحده معين المعرفة الإلهية الانسانية الذي ستنهل منه إلى يوم يبعثون .
هامش
( * ) السورة 5 ، الآية 3 .