تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
ارتحلت ] . وكان خليقا بهذا الاقتراح ان يسهم إسهاما كبيرا في خضد شوكة العدوّ . وعلى الرغم من المجاعة التي قاساها المسلمون ، والضيق الذي ألمّ بهم من جراء الحصار المتطاول والسهر والحراسة الموصولين فقد رأوا ان في القبول بمثل هذا الذل جرحا لكرامتهم . وقال الأنصار ، الذين عنتهم المساومة المقترحة مباشرة ، إنهم لم يدفعوا أيما جزية إليهم حتى في الجاهلية ، فكيف يطيقون الاذعان لهم ، خاصة وأن في الأمر مساسا بشرف الاسلام نفسه ؟ إنهم سوف يقاتلون حتى آخر رجل من رجالهم ، وليكن ما يكون ! وكان اليهود والمنافقون يتحينون الفرصة للانقضاض من داخل ، على نحو متواقت مع الهجوم من خارج . وجرت بادئ الامر مبارزات كتبت الغلبة فيها للمسلمين . كان عمرو بن ودّ ، وهو بطل عربي شهير ، يعتقد أنه كفؤ لألف رجل ، [ فتقدّم ينادي : « من يبارز ؟ » ولما دعاه عليّ بن أبي طالب إلى النزال قال في صلف : « لم يا ابن أخي ؟ فو اللّه ما أحب أن أقتلك ! » فقال عليّ : « لكني أحب واللّه أن أقتلك ! » فتنازلا فقتله عليّ ] . وأخيرا شنّت قريش ، بكامل قوّتها ، هجوما عاما ، ولكنها لم تستطع أن تقتحم الخندق . بيد أن سهامها ونبالها انهمرت انهمار وابل رهيب ، ولولا ثبات المسلمين الراشح بروح الانضباط لكسب العدو المعركة . لقد عجز الجيش العظيم ، البالغ عدده أربعة وعشرين الف مقاتل ، عن اختراق خط دفاعهم ، فألمّ به الاعياء . كان الحصار قد أمسى مرهقا له . وإلى هذا ، كانت مؤن العدو قد نفدت . ثم هبّت ريح عاتية فاقتلعت خيامهم ، وكفأت قدورهم ، فدبّ الاضطراب في صفوفهم . وإلى هذه الحادثة يشير القرآن الكريم بقوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا