تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
صلد . وبذلوا كلهم قصارى جهدهم لتحطيمه . وهكذا اقترح على الرسول ، الذي كان قد رسم حدود الخندق بيديه الاثنين ، أن يجيز لهم الانحراف بعض الشيء عن الخطة الأصلية . فلم يكن منه إلا أن تناول معولا وانهمك في أداء المهمة التي أعجزت رجاله . لقد هبط إلى جوف الخندق وراح يقرع الصخرة بعنف ، فانزاحت مطلقة في الوقت نفسه شرارة نار لم يكد الرسول يلمحها حتى صاح ، يتبعه أصحابه ، « اللّه أكبر ! » وقال إنه رأى في الشرارة أن مفاتيح قصر الملك في الشام ، قد آلت اليه . وضرب الصخرة كرة أخرى فانشقت ، مطلقة شرارة النار نفسها . وكرة ثانية ارتفع التكبير : « اللّه أكبر ! » ولاحظ الرسول انه وهب مفاتيح المملكة الفارسية . وعند الضربة الثالثة تناثرت الصخرة قطعا وأعلن الرسول انه رأى مفاتيح اليمن تصبح ملك يديه . ثم أوضح قائلا إنه ، في المرة الأولى ، أطلع على قصر قيصر ، وفي المرة الثانية على قصر أكاسرة فارس ، وفي المرة الثالثة على قصر صنعاء ، وأنه أنبئ أن أتباعه سوف يمتلكون تلك البلاد كلها . ظاهرة رائعة ! كانت قوة جبارة ، تتألف من أربعة وعشرين الف رجل ، تقف عند أبواب المدينة نفسها على أتم استعداد لسحق الاسلام . وكانت بلاد العرب كلها متعطشة لدماء المسلمين . وفي غمرة من سحب هذا الخطب الرهيب تلمح عين الرسول شعاعا قصيا يؤذن بالقوة التي ستتم للاسلام في المستقبل ! أليس ذلك شيئا يتخطى أبعد طاقات الخيال البشري ؟ ومن غير الرب الكلّي الحكمة والكليّ العلم يستطيع أن يكشف أسرار المستقبل هذه في لحظة كان الاسلام مهدّدا فيها بالفناء المطلق ؟ ودب الذعر في نفوس المسلمين عندما انقضّت الأحزاب المتحالفة ، بكامل قوّتها ، على المدينة ؛ لقد زلزلت آساس البلد نفسها . ولقد وصف ما ألمّ بالقوم ، في تلك اللحظة ، من كرب وارتباك ، بهذه الكلمات :
حياة محمد ورسالته — صفحة 166 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي