على رأس الف مقاتل لم يكن بينهم غير فارسين اثنين ومئة رجل مسلح .
وقضى المسلمون الليل على مبعدة من المدينة يسيرة ، ثم استأنفوا تقدمهم في اليوم التالي مع الفجر . ولم يكد عبد اللّه بن أبيّ يلمح العدوّ حتى انخذل مع رجاله الثلاثمئة ، منقصا بذلك مجموع المقاتلين المسلمين إلى سبعمئة كان عليهم ان يواجهوا عدوا عدد رجاله أربعة أضعاف عددهم . وحتى هؤلاء لم يكونوا ، بأية حال ، بارعين في فنون القتال .
كانت قوتهم الوحيدة كامنة في تفانيهم في الدفاع عن الحق . وكانت الحماسة قد أشربت قلوب الطاعنين في السنّ عزم الشباب وهمّتهم .
وكذلك أشرب من لم يبلغوا الحلم بعد مثل هذا العزم وتلك الهمة .
ويروى أن أحد الغلمان تطوّع للقتال فرفض القوم قبوله لصغر سنه ، فما كان منه إلا أن تمطّى ووقف على رؤوس أصابعه لكي يبدو أطول قامة . وأيا ما كان ، فقد كفلت له حماسته مكانا بين صفوف المقاتلين .
وتقدّم غلام آخر في مثل سنه مؤكدا حقه في الاشتراك في القتال .
وألحّ قائلا ان في استطاعته ، لو صارع زميله ذاك ، أن يطرحه أرضا . فأتاحوا له فرصة يثبت فيها صدق دعواه ، حتى إذا وفّق إلى جندلته أجابوا سؤله . وبعد ذلك تقدّم رجل طاعن في السن ، لم يبق له في هذه الدنيا غير أيام معدودات ، وقال : « انا ، يا رسول اللّه ، على قاب قوسين من القبر . فما أعظمه من مجد ان أختم حياتي بحمل السلاح دفاعا عن رسول اللّه ! » وهكذا حشد المقاتلون السبعمئة ، وقد استعاضوا عن القوة والبراعة بحماستهم العارمة للقضية الأثيرة على قلوبهم . ومثل قائد بارع ، تقدّم الرسول للقاء الأعداء ، وعدّتهم ثلاثة آلاف مقاتل أشداء مسلحين تسليحا حسنا ، واتخذ مركزا متفوقا في ميدان القتال ، جاعلا من صخور أحد وقاء يحمي به ظهور رجاله وراح يصفّ أصحابه بنفسه . بيد أنه كان في ناحية من نواحي الجبل شعب يمكّن العدوّ من الانقضاض على صفوف المسلمين من خلاف .
حياة محمد ورسالته — صفحة 145
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٤٥