توقف على الشرع ، فيكون المعنى الثالث عند جماعة من محققي الأشاعرة عقليا فيوافقون بذلك العدلية .
وقبل الشروع في بيان أدلة الطرفين لا بد من التعرض إلى أمور لها دخل في تحقيق محل النزاع وتحديده .
ذاتية الحسن والقبح وعرضيته
( الأول ) ان الحسن والقبح يكونان ذاتيين وعلة للحكم بهما ، ولا يراد بالذاتي ما يقابل العرضي الذي ذكره أهل الميزان في باب الكليات الخمس ، لان الحسن والقبح ليس أحدهما جنسا أو فصلا للفعل كالعدل أو الظلم مثلا ، بل يراد به انهما مما يستحق عليهما المدح والذم لذاتهما من دون عروض عنوان آخر عليهما ، فالعدل بذاته وبما هو عدل حسن يستحق عليه المدح والظلم بذاته وبما هو ظلم قبيح يستحق عليه الذم ، بعكس الصدق والكذب ، فإنهما قد يعرض عليهما عنوان يقتضي الذم والمدح كما سنوضحه ، فالمعنى الثالث - من معاني الحسن والقبح المتقدم ذكره - يكون الحسن والقبح فيه ذاتيين ، اي ان العدل بنفسه وبما هو عدل علة وتمام الموضوع للحسن ، ولا يكون غير حسن عند العقلاء ابدا ، والظلم بنفسه وبما هو ظلم علة وتمام الموضوع للقبح ولا يكون حسنا عندهم ابدا . وهذا القسم هو مورد النزاع بين الأشاعرة وخصومهم فإنهم ينكرون ان الحسن والقبح وصفا ذاتيا للأفعال تدركه العقول ، وخصومهم يدعون انهما وصفان ذاتيان كما ستعرف ذلك من أدلتهم .
وقد يكون الفعل مقتضيا للحسن والقبح كالصدق والتعظيم ، والكذب والتحقير ، فان الأولين حسنان ذاتا لو خليا وطبعهما ويكون فيهما مصلحة عامة ، ولكنهما قد يصيران قبيحين إذا ترتب عليهما الاضرار