ويدلّ على ذلك « 1 » : أوّلا : اطلاقهم الدليل على الكتاب والسّنة والإجماع والعقل .
والضرورة قضت بأنّ هذه بأنفسها ليست من القضايا ، بل من مقولة التصوّرات .
وثانيا : تعريفهم الدليل بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبريّ ؛ والمراد بالتوصّل هو الإذعان سواء كان منتهيا إلى القطع أو الظنّ . والمراد بالنظر ترتّب أمور معلومة للتأدية إلى مجهول ؛ فلا بدّ أن يكون المراد بالموصول ما عرى عن الترتّب لكي يكون فيه مسرح للنظر بهذا المعنى ، وهو ليس إلّا من مقولة المفرد - كحدّ الوسط - دون القضايا ؛ لأنّها ما أخذت إلّا بوصف الترتّب ؛ فلا يبقى فيها مجال للنظر .
وإن شئت قلت : إنّ قوام النظر بحصول ما للذهن من الحركات الثلاث :
هبوطيّة وعرضيّة وصعوديّة .
أمّا الأولى : فهي انتقاله من المطلب إلى المقدّمات .
وأمّا الثانية : فهي انتظامه للموضوع والمحمول ، والتيامه للصغرى والكبرى ، وتشكّلهما بأحد الأشكال .
وأمّا الثالثة : فهي انتقاله من المقدّمات إلى النتيجة .
وما هو قابل لأن يأتي فيه هذه الحركات بأسرها إنّما هو الحدّ « 2 » الوسط دون القضيّة والقضيّتين ؛ لأنّ الأولى حاوية للحركة الأولى ، كما أنّ الثانية حاوية لها وللحركة الثانية ؛ فلا يكون افتقار في التوصّل بهما إلى النتيجة إلى تمام الحركات لكي يصحّ إطلاق النظر بالنسبة إليها ؛ فظهر أنّ الدليل عند الاصوليّ ما هو من مقولة المفرد كحدّ الوسط .
إذا عرفت هذه فنقول : قد ملأ طواميرهم من عدّ الاستصحاب من الأدلّة . وكون
هامش
( 1 ) - أي : على كون الدليل في اصطلاح أهل الأصول هو الحدّ الوسط .
( 2 ) - هذا ، وفي النسخة الموجودة : « حدّ الوسط » .