ذلك من باب الوضع فأنّى لهم بذلك مع وجود الأصل المحكّم المقتضي لعدمه ؟ !
وإن أرادوا إثباته من باب الانصراف فهم مطالبون بالدلالة على منشئه ، وليس له منشأ كان بمحلّ الاعتبار .
وإن أرادوا إثباته من باب مقدّمة الحكمة فهي مسلّمة لكن كونها مقتضية لإفادة العموم في النفي دون المثبت على وجه الإطلاق بمكان من المنع ، بل تختلف باختلاف المقامات ؛ فربما تجري في المثبت أيضا وتوجب إفادة العموم ، وربما لا تجري في المنفيّ أيضا فلا يحصل فيه سبب إفادة العموم .
من الأوّل : قوله تعالى :
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 1 » ، و
أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
« 2 » ، وقوله عليه السّلام : « جعل اللّه الماء طهورا » « 3 » إلى غير ذلك ؛ فإنّ حمل البيع والماء فيها على غير الاستغراق يكون لغوا ، وينافيه مقام الامتنان ، والحكمة قضت ببطلانه .
ومن الثاني : ما لو راجع المريض الطبيب فقال له في غير وقت الحاجة : « لا تأكل الحامض » . وبمثابة ذلك العمومات الواردة في أوّل تشريع الشريعة إذا كان عمومها مستفادا من الوقوع في حيّز السلب .
وممّا ذكرنا ظهر الحال في ما فرّعوا على الأصل المزبور ؛ ولذا أورد عليهم سلطان المحقّقين في الفرع الأخير من أنّ ذلك غير مسلّم ، بل ربما يبنى على التقييد في المنفيّين أيضا كما ربما لا يبنى عليه في المثبتين أيضا . ووجهه ما عرفت من أنّ إفادة العموم ما بعثت إلّا من قاعدة الحكمة ، وهي إن جرت فلا مسرح لحمل المطلق على المقيّد من غير فرق بين المنفيّين والمثبتين ، والّا فقاعدة الحمل محكّمة من غير فرق بينهما أيضا ؛ هذا .
هامش
( 1 ) - البقرة : 275 .
( 2 ) - الفرقان : 48 .
( 3 ) - الوسائل 1 : 99 ، الباب الأوّل من أبواب الماء المطلق ، ح 1 ؛ لكن فيه : « إنّ اللّه جعل التراب طهورا ، كما جعل الماء طهورا » .