وإن خالفه يسمّى « بالمخالفة الحكميّة » المعبّر عنها « بالتجرّي » .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ التجرّي ليس شيئا يمكن اجتماعه مع المعصية الواقعيّة حتّى يتداخل عقابهما ؛ لأنّ التجرّي عبارة عن مخالفة ما اعتقده المكلّف ، والمعصية الواقعيّة إنّما هو عبارة عن مخالفة ما هو كائن في الواقع ، وإذا حصل المخالفة بالنسبة إلى الأخير ، فليس المعتقد شيئا على حدة غير الواقع حتّى يحصل بالنسبة إليه أيضا مخالفة فيوجب العقاب ، حتّى يتداخل مع عقاب مخالفة الواقع ، بل المعتقد حينئذ عين الواقع ، فليس هنا إلّا مخالفة واحدة ، والمخالفة الواحدة لا يوجب إلّا عقابا واحدا .
35 - قوله رحمه اللّه : « ففيه إشكال كما اعترف به الشهيد رحمه اللّه . . . » « 1 » ( 1 : 45 )
أقول : قال المصنّف رحمه اللّه في الحاشية على قوله هذا « 2 » ، ما لفظه :
بل يظهر منه رحمه اللّه أنّ الكلام في تأثير نيّة المعصية إذا تلبّس بما يرى معصية ، لا في تأثير الفعل المتلبّس به ، إذا صدر عن قصد المعصية ، فتأمّل . هذا ولكن يظهر من بعض الروايات ، حرمة الفعل المتجرّى به بمجرّد الاعتقاد ، مثل موثّقة سماعة : « في رجلين قاما إلى الفجر فقال أحدهما : هو ذا ، وقال الآخر : ما أرى شيئا . قال : فليأكل الّذي لم « 3 » يبيّن له ، وحرم على الّذي زعم أنّه طلع الفجر ، إنّ اللّه عزّ وجلّ قال :
كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
« 4 » » ؛ فتأمّل « 5 » . انتهى .
هامش
( 1 ) - القواعد والفوائد 1 : 107 - 108 .
( 2 ) - راجع هامش فرائد الأصول 1 : 45 .
( 3 ) - في الحديث : « لم يتبيّن له » .
( 4 ) - البقرة : 187 .
( 5 ) - الوسائل 4 : 85 ، الباب 48 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك ، الحديث 1 .