نعم قد يتحقق في بعض الواجبات مورد لا يحكم العرف بكون الشكّ في الاستمرار ، مثلا : إذا ثبت في يوم وجوب فعل عند الزوال ، ثمّ شككنا في الغد أنّه واجب اليوم عند الزوال ، فلا يحكمون باستصحاب ذلك ، ولا يبنون على كونه ممّا شكّ في استمراره وارتفاعه ، بل يحكمون في الغد بأصالة عدم الوجوب قبل الزوال .
أمّا لو ثبت ذلك مرارا ، ثمّ شكّ فيه بعد أيّام ، فالظاهر حكمهم ( 2282 ) بأنّ هذا الحكم كان مستمرّا وشكّ في ارتفاعه ، فيستصحب .
ومن هنا ترى الأصحاب يتمسّكون باستصحاب وجوب التمام عند الشكّ في حدوث التكليف بالقصر ، وباستصحاب وجوب العبادة عند شكّ المرأة في حدوث الحيض ، لا من جهة أصالة عدم السفر الموجب للقصر ، وعدم الحيض المقتضي لوجوب العبادة - حتّى يحكم بوجوب التمام ؛ لأنّه من آثار عدم السفر الشرعيّ الموجب للقصر ، وبوجوب العبادة ؛ لأنّه من آثار عدم الحيض - بل من جهة كون التكليف بالتمام وبالعبادة عند زوال كلّ يوم أمرا مستمرّا عندهم وإن كان التكليف يتجدّد يوما فيوما ، فهو في كلّ يوم مسبوق بالعدم ، فينبغي أن يرجع إلى استصحاب عدمه ، لا إلى استصحاب وجوده .
والحاصل : أنّ المعيار حكم العرف بأنّ الشيء الفلانيّ كان مستمرّا فارتفع وانقطع ، وأنّه مشكوك الانقطاع . ولولا ملاحظة هذا التخيّل العرفيّ لم يصدق على النسخ أنّه رفع للحكم الثابت أو لمثله ؛ فإنّ عدم التكليف في وقت الصلاة بالصلاة
شرح
المصنّف رحمه اللّه التنبيه على أنّ ظاهر العلماء - مع قولهم باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ ، واشتراطهم للعلم ببقاء الموضوع - هو الاكتفاء في بقائه بالقضايا العرفيّة ، كما يرشد إليه ما ذكره المصنّف رحمه اللّه من مثال استصحاب وجوب التّمام ووجوب العبادة ووجود الكرّ ، لأنّهم قد تمسّكوا فيها بالاستصحاب ، مع كون الموضوع فيها مشكوك البقاء بحسب المداقّة ، بل ومع العلم بعدم بقائه في الواقع في بعضها .
2282 . فيكون الموضوع حينئذ في نظر أهل العرف هو فعل المكلّف من حيث هو ، لا من حيث تقيّده بزمان خاصّ .