شرح
لاعتبار عدم ترتّب جلب منفعة أو دفع مضرّة على تصرّف المالك كما تقدّم . وإن كان لأجل تحكيم قاعدة الضرر على قاعدة السلطنة كما ستقف عليه أيضا ، فلا وجه حينئذ لاعتبار قصد الإضرار كما عرفت .
وكيف كان ، فالكلام في الصور المذكورة تارة من حيث الحكم التكليفي ، بمعنى حرمة تصرّف المالك وعدمها ، وأخرى من حيث الحكم الوضعي ، أعني :
ضمان المالك للضرر العائد من تصرّفه إلى الجار ، وبيان الملازمة بين الحرمة والضمان وعدمها ، لإمكان القول بالحرمة من دون ضمان أو بالجواز معه . فالكلام في بيان أحكام الصور المذكورة يقع في مقامين .
أمّا المقام الأوّل ففي بيان أحكام الصور المزبورة تكليفا ، ونقول : إنّ ظاهر المصنّف رحمه اللّه هو الحكم بجواز التصرّف فيما عدا الصورة الأخيرة ، وبعدمه فيها مطلقا ، لأنّ ما استدركه بقوله « نعم » وإن اختصّ بصورة قصد الإضرار ، إلّا أنّ قوله : « لا يعدّ ضررا » يشمل صورة عدم قصد الإضرار أيضا .
وكيف كان ، نقول في توضيح المقام : إنّك قد عرفت أنّ صور المسألة أربع :
أمّا الأولى فلا إشكال كما لا خلاف في جواز التصرّف فيها ، لعموم السلطنة ، والفرض عدم علم ولا ظنّ بتضرّر الجار .
وأمّا الثانية فالظاهر أنّ حكم المشهور بالجواز إنّما هو في هذه الصورة ، ولذا صرّح المحقّق الثاني - الذي هو لسان الفقهاء - فيما عرفت من كلامه بقوله :
« وإن غلب على ظنّه التعدي » . ولعلّ الوجه فيه حكومة قاعدة السلطنة على قاعدة نفي الضرر . ولكنّ المصنّف رحمه اللّه في رسالته المفردة في هذه القاعدة قد عكس الأمر ، فحكم بحكومة الثانية على الأولى . وفيه نظر ، لأنّ الظاهر أنّ قوله صلّى اللّه عليه وآله :
« الناس مسلّطون على أموالهم » إخبار عمّا جرت عليه طريقة الناس في جميع الأعصار والأصقاع والملل والأديان ، وإمضاء لطريقتهم ، وليس واردا في مقام إنشاء جواز تصرّف أرباب الأملاك فيها . وقد تقدّم في بعض الحواشي السابقة