شرح
وأمّا الثاني فإنّ العلم الإجمالي فيه لما كان منحلّا إلى علم تفصيلي وهو العلم بمطلوبيّة الأقلّ ، وشكّ بدوي وهو الشكّ في مطلوبيّة الأكثر ، فالجهل فيه يصلح للمنع من تنجّز التكليف بالواقع ، فيؤخذ بالأقلّ ، لكونه متيقّنا ، وينفى وجوب الأكثر بالأصل ، لكون الشكّ فيه بدويّا . فالجهل التفصيلي هنا مع كونه مانعا من تنجّز التكليف بالواقع غير مستلزم للترجيح بلا مرجّح ، لما عرفت من وجود المرجّح للأخذ بالأقلّ .
وقول المصنّف رحمه اللّه : « عدم جواز المخالفة القطعيّة . . . » إشارة إلى أنّ كون الجهل فيما نحن فيه مانعا من تنجّز التكليف بالواقع على ما عرفت لا يوجب جواز ترك الأقلّ ، لفرض كونه مخالفة تفصيليّة .
لا يقال : إنّ مطلوبيّة الأقلّ مردّدة بين المطلوبيّة النفسيّة والغيريّة ، لأنّ الواجب في الواقع إن كان هو الأقلّ كان واجبا نفسيّا ، وإن كان هو الأكثر كان الأقلّ مطلوبا في ضمنه من باب المقدّمة . والمحرّك للعقل إلى الامتثال هو العلم بترتّب العقاب أو احتماله على المخالفة . والواجب في الواقع إن كان هو الأقلّ كان العقاب مترتّبا على مخالفته ، وإن كان هو الأكثر كان مترتّبا على مخالفته دون الأقلّ ، فلا يكون الأقلّ مطلوبا على وجه يترتّب العقاب على مخالفته على كلّ تقدير ، فلا يكون متيقّنا في المقام . ومجرّد العلم بمطلوبيّته لنفسه أو لغيره غير مجد عند العقل كما عرفت .
لأنّا نقول : إنّ الأقلّ وإن لم يعلم كونه مطلوبا لنفسه أو غيره ، إلّا أنّ كون تركه سببا لترتّب العقاب - إمّا لأجل نفسه ، أو لأجل كونه مفضيا إلى ترك الواجب وهو الأكثر - معلوم بالتفصيل ، وهذا القدر كاف في إلزام العقل بعدم جواز تركه ، لأنّ العلم بجهة ترتّب العقاب غير معتبر في إلزام العقل ، كما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه . ومن هنا يظهر ضعف ما تقدّم في الحاشية السابقة من رجوع الأقلّ والأكثر الارتباطيّين عند التحليل العقلي إلى المتباينين ، فتدبّر .