والمراد ب « التفكّر » ابتلاء الأنبياء عليهم السّلام بأهل الوسوسة ، لا غير ذلك ؛ كما حكى اللّه عن الوليد بن مغيرة :
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
30 ، فافهم . وقد خرجنا في الكلام في النبويّ الشريف عمّا يقتضيه وضع الرسالة .
ومنها : قوله عليه السّلام : « ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » . فإنّ المحجوب حرمة شرب التتن ، فهي موضوعة عن العباد . وفيه : أنّ الظاهر ممّا حجب اللّه ( 1145 ) علمه ما لم يبيّنه للعباد ، لا ما بيّنه واختفى عليهم بمعصية من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره ( 1146 ) ؛ فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تعصوها ، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها ؛ رحمة من اللّه لكم » 31 .
ومنها : قوله عليه السّلام : « الناس في سعة ما لم يعلموا » 32 . فإنّ كلمة « ما » إمّا موصولة أضيف إليه السعة وإمّا مصدريّة ظرفيّة ، وعلى التقديرين يثبت المطلوب . وفيه : ما تقدّم ( 1147 ) في الآيات من أنّ الأخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل والنقل بعد التأمّل والتتبّع .
شرح
1145 . بقرينة نسبة الحجب إلى نفسه تعالى . وحاصل ما ذكره : أنّ قوله عليه السّلام : « ما حجب اللّه علمه عن العباد » يحتمل أن يراد منه معنى : ما لم يبيّنه اللّه تعالى لهم . ويحتمل أن يراد منه معنى : ما اختفى علمه عليهم لأجل طروّ الحوادث الخارجة . والظاهر بقرينة ما قدّمناه هي إرادة المعنى الأوّل ، وعليه فلا دلالة في الرواية على المدّعى .
1146 . لعلّ المراد بالأوّل إخفاء الحقّ ، وبالثاني تلبيسه بالباطل بعد ظهوره .
1147 . يمكن منع ورود ما تقدّم في الآيات هنا ، بناء على كون كلمة « ما » موصولة ، لأنّ ظاهر الرواية حينئذ عدم كون الناس في ضيق من جهة جهلهم بحكم فعل ، ولا ريب أنّ وجوب الاحتياط في الشبهات ضيق من جهة الجهل بالحكم الواقعي ، فينفى وجوبه بمقتضى الرواية ، فتكون هذه الرواية حينئذ معارضة لأخبار