وملخّص الجواب عن تلك الأخبار : أنّه لا ينبغي الشكّ في كون الأمر فيها للإرشاد ، من قبيل أوامر الأطبّاء المقصود منها عدم الوقوع في المضارّ ؛ إذ قد تبيّن فيها حكمة طلب التوقّف ، ولا يترتّب على مخالفته عقاب غير ما يترتّب على ارتكاب الشبهة أحيانا من الهلاك المحتمل فيها .
فالمطلوب في تلك الأخبار ترك التعرّض للهلاك المحتمل في ارتكاب الشبهة ، فإن كان ذلك الهلاك المحتمل من قبيل العقاب الأخروي - كما لو كان التكليف متحقّقا
شرح
على الإرشاد الذي مقتضاه عدم ترتّب شيء على الأمر بالتوقّف سوى ما يترتّب على نفس الواقع على ما عرفت . فإذا لم يصحّ ذلك بالنسبة إلى الفتوى لا يصحّ بالنسبة إلى العمل أيضا ، وإلّا لزم استعمال اللفظ في معنيين ، أعني : استعمال الأمر بالتوقّف في الإرشاد بالنسبة إلى العمل ، وفي الإلزام المولوي بالنسبة إلى الفتوى ، وهو باطل . مع أنّ موثّقة عمّار : « كفّ واسكت ، إنّه لا يسعكم فيما نزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه والتثبّت والردّ » ظاهر كالصريح في الإلزام بالكفّ عن القول . وما ذكره المصنّف رحمه اللّه مبنيّ على حمل التوقّف فيها على التوقّف من حيث العمل ، بل هو صريحه ، حيث قال فيما تقدّم من كلامه : « وظاهر التوقّف المطلق السكون وعدم المضيّ ، فيكون كناية عن عدم الحركة بارتكاب الفعل . . . » إلى آخر ما ذكره . وقد عرفت ضعفه .
ثمّ إنّ حمل ما دلّ على كون المضيّ في الشبهة اقتحاما في الهلكة على صورة عدم معذوريّة الفاعل لا يخلو من نظر ، لصراحة بعض هذه الأخبار في صورة كون الشبهة في الموضوع التي لا يجب فيها الاحتياط باتّفاق من المجتهدين والأخباريّين ، مثل قول مولانا الصادق عليه السّلام : « إنّك إذا بلغك قد رضعت من لبنها ، أو أنّها لك محرّمة ، وما أشبه ذلك ، فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة . . . » .
فلا بدّ من حمل الهلكة في هذه الأخبار على المفاسد الدنيويّة ، أو الأعمّ منها ومن الاخرويّة سوى العقاب .