أوّلا : أنّ إباحة التعبّد بالظنّ غير معقول ؛ إذ لا معنى لجواز التعبّد وتركه لا إلى بدل ، غاية الأمر التخيير بين التعبّد بالظنّ والتعبّد بالأصل أو الدليل الموجود هناك في مقابله الذي يتعيّن الرجوع إليه لولا الظنّ ، فغاية الأمر وجوب التعبّد به أو بالظنّ تخييرا ، فلا معنى للإباحة التي هي الأصل في الأشياء . وثانيا : أنّ أصالة الإباحة إنّما هي فيما لا يستقلّ العقل بقبحه ، وقد عرفت استقلال العقل بقبح التعبّد بالظنّ من
شرح
عن القفّال وابن شريح وأبي الحسن البصري ، والاستدلال عليه بأنّه لو لم يؤخذ به لخلا كثير من الوقائع عن الأحكام ، أجاب عنه بأنّه : « لا تعطيل بعد قيام الأدلّة على أصل الإباحة والحظر ، وذلك لأنّا متى لم نجد للواقعة حكما عملنا فيها بما يقتضيه العقل من الإباحة والحظر » . انتهى . وهو كما ترى لا دخل له في الاستدلال بالأصل .
وحاصل ما أورده أوّلا : أنّ معنى الإباحة هي الرخصة في الفعل وتركه لا إلى بدل ، ولا معنى لها في التعبّد بالظنّ ، لأنّه لا معنى لإباحة التعبّد بالظنّ بالوجوب أو الحرمة مثلا مع أنّ مقصود القائل به هو إيجاب العمل به لا الرخصة فيه . وغاية ما يتصوّر هنا من الرخصة في ترك التعبّد بالظنّ هو التخيير بينه وبين الأخذ بالأصل أو الدليل الموجود في المسألة على خلافه ، ومرجعه كما أفاده إلى إيجاب العمل بالظنّ تخييرا لا تعيينا ، وهو ليس معنى الإباحة كما عرفت . وإنّما قيّد كون الأصل أو الدليل في قبال الظنّ الظاهر في اعتبار كونه مخالفا لهما ، لكون التخيير بين الظنّ والأصل أو الدليل الموافقين له لغوا لكون العمل بأحدهما محصّلا للعمل بالآخر .
ومن هنا يظهر أنّه لو كان مراد المستدلّ بجواز ترك العمل بالظنّ ما عرفت من معنى التخيير ، كان الدليل أخصّ من المدّعى . ويرد عليه - مضافا إلى ما ذكر - منع شمول نزاعهم في كون الأصل في الأشياء هو الحظر أو الإباحة للمقام ، لأنّ عنوانهم للمسألة بما ذكر ، وتصريحهم باشتراط كونها ممّا اشتمل على منفعة خاليا