شرح
الموضوعيّة دون الطريقيّة - كما في الشهادة والفتوى - لا يبقى وجه لعدم اعتباره في حقّ القاطع ، إذ لا إشكال في أنّه إذا حصل القطع للشاهد أو المفتي من الأسباب غير المتعارفة كان معتبرا في حقّهما ، وإن لم يجز للغير قبول شهادة مثل هذا الشاهد وتقليد مثل هذا المفتي ، ولذا لا يجوز للأوّل التصرف في المال الذي قطع بكونه لزيد ، وللثاني تقليد غيره . فإذا تعيّن إرادة الاحتمال الثاني فقد ذكر المصنّف فيه وجوها ثلاثة ، أقربها إلى الإرادة هو الأوّل . وفيه أيضا وجوه أخر :
أحدها : - وهو ما فهمه صاحب الفصول من كلامه كما ستعرفه - أن يريد بقوله : « فيلغو اعتبارهما في حقّه » وجوب رجوعه إلى المتعارف ، بمعنى أنّ القطّاع إذا قطع بشيء من سبب ، فإن كان السبب من الأسباب المورثة للقطع للمتعارف من الناس إذا حصلت عندهم على النحو الذي حصلت عنده يعمل حينئذ بقطعه . وإن كان من الأسباب التي تورث الظنّ للمتعارف منهم يبنى على حكم الظنّ . وإن كان ممّا لا يورث شيئا منهما يعمل بحكم الشاكّ ممّا تقتضيه الأصول والقواعد . وكذلك لو لم يكن هنا متعارف ، بأن كان ممّا يورث القطع لبعضهم والظنّ لآخر والشكّ لثالث .
وثانيها : أن يريد إلغاء القطع وملاحظة السبب في نفسه ، بأن يفرض نفسه جاهلا ثمّ يلاحظ السبب في حدّ ذاته ، فإن كان ممّا يفيد القطع في نفسه أو الظنّ أو لا يفيد شيئا منهما يعمل بمقتضاه . والفرق بينه وبين سابقه واضح بالتأمّل .
وثالثها : أن يريد الجمع بين مقتضى قطعه ومقتضى الأصول والقواعد المقرّرة للشاك . ولعلّ الوجه الأوّل أقرب من الوجوه التي ذكرها المصنّف رحمه اللّه .
وكيف كان ، فعلى تقدير إرادة أحد هذه الوجوه يرد عليه ما أورده المصنّف رحمه اللّه على الوجه الأوّل من الوجوه التي ذكرها للاحتمال الثاني ، إذ لا يعقل تكليف القاطع بخلاف قطعه إلّا برفع اليد عن الواقع المقطوع به ، وإلّا يؤدّي إلى التناقض ، مضافا إلى ما يرد على الثالث من لزوم الجمع أحيانا بين الضدّين أو