أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بإدراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الأمر ، وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك ، كما يدلّ عليه الأخبار الكثيرة الواردة بمضمون : « أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » ، و « أنّه لا شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الناس » .
شرح
أحدها : طرح أبان للرواية الظنّية بمخالفة عقله ، كما يشهد به قوله : « مهلا يا أبان فهذا حكم رسول اللّه . . . » . ولكن هذا إنّما يصحّ إمّا مع كون حكم عقله ظنّيا ليصحّ التوبيخ على طرح الرواية المعتبرة بمجرّد مخالفتها للظنّ غير المعتبر . وإمّا مع كون الغرض من التوبيخ على طرح الرواية المعتبرة هو التوبيخ على الخوض في المقدّمات المؤدّية إلى ذلك لأجل حصول القطع منها الموجب لطرح الرواية المعتبرة ، إذ لا يصحّ التوبيخ على العمل بنفس القطع . والأوّل أظهر ، إذ مورد السؤال في الرواية ليس ممّا يحصل منه القطع بمناط الحكم لكلّ أحد أو لأغلب الناس ، بأن يقطع بأنّ قطع كلّ إصبع علّة لثبوت عشرة من الإبل مطلقا ، لجواز اشتراطه بعدم انضمامه إلى ما يوجب البلوغ إلى ثلث دية الرجل كما ذكره الإمام عليه السّلام ، غاية الأمر حصول الظنّ بعدم الاشتراط ، مع أنّ عدم العلم بوجود الشرط للحكم لا يستلزم العلم بالعدم .
لا يقال : إنّ قوله : « فقلنا : إنّ الذي جاء به شيطان » صريح في كون أبان قاطعا بمناط الحكم ، فلا بدّ حينئذ من حمل توبيخ الإمام عليه السّلام على الاقتحام في المقدّمات .
لأنّا نقول : نمنع الصراحة ، بل الظهور أيضا ، إذ يصحّ أن يقال : ذلك مع حصول الظنّ القوي ، سيّما مع كون الطباع مجبولة على العمل بالظنّ . هذا كلّه ، مضافا إلى قوله : « يا أبان أخذتني بالقياس . . . » فإنّ الظاهر منه الأخذ بالقياس الظنّي ، لأنّه الغالب المتداول في تلك الأزمنة ، مع أنّ ما ذكره من المحذور في العمل بالقياس من انمحاق الدين منتف في العمل بالقطع بمناطات الأحكام ، لقلّة موارده كما عرفت .