وأصرح من ذلك كلّه خبر أبي إسحاق الأرجاني قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : ( أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامّة ؟ ) ، فقلت : لا أدري ، فقال : ( إنّ عليّا صلوات اللّه عليه لم يكن يدين اللّه بشيء إلّا خالف عليه العامّة ، إرادة لإبطال أمره ، وكانوا يسألونه ، صلوات اللّه عليه ، عن الشيء الذي لا يعلمونه ، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عندهم ، ليلبسوا على الناس ) « 1 » .
الثالث : حسن مجرّد المخالفة لهم ، فمرجع هذا المرجّح ليس الأقربيّة إلى الواقع ، بل هو نظير ترجيح دليل الحرمة على الوجوب ، ودليل الحكم الأسهل على غيره .
Commentary
قال : قلت للرضا عليه السّلام : يحدث الأمر ، لا أجد بدّا من معرفته ، أي : لا مفرّ من معرفته للابتلاء به ، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك ، فقال : ( ايت فقيه البلد ) الذي هو من علماء العامّة واستفته في أمرك ، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإنّ الحقّ فيه .
ولا يخفى أنّ هذا الجواب إنّما يجدي للسائل في صورة تردّده بين الأمرين ، كغسل البول مرّة أو مرّتين ، فإذا أفتى بالمرّة أخذ خلافها ، أي : المرّتان وبالعكس لا في صورة تردّده بين أمور ، كغسله مرّة أو مرّتين أو مرّات ، لأنه إذا أفتى بالمرّة مثلا تردّد خلافه بين المرّتين والمرات فيبقى التحيّر ، ولمّا كان الغالب التردّد بين الأمرين علّمه الإمام عليه السّلام هذا الطريق وقنع به السائل .
وأصرح من ذلك كلّه في الدلالة على حقّيّة خلافهم الشامل لصورة تعارض الخبرين خبر أبي إسحاق الأرجاني . . . إلى آخره .
حيث بيّن الإمام عليه السّلام فيه سبب الأخذ بما هو على خلاف العامّة من المتعارضين ، كما مبيّن في المتن .
الثالث : حسن مجرّد المخالفة لهم ، بأن يريد الشارع مخالفتهم تعبّدا لأقربيّة خلافهم إلى الحقّ .
فمرجع هذا المرجّح ليس الأقربيّة إلى الواقع ، بل هو مرجّح خارجيّ تعبّدي ؛ لأن المخالفة - حينئذ - دليل مستقل ، نظير أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة في ترجيح دليل الحرمة على الوجوب ، كما أشار إليه بقوله :
Footnote
( 1 ) علل الشرائع 2 : 249 / 1 . الوسائل 27 : 116 ، أبواب صفات القاضي ، ب 9 ، ح 24 .