وفيه : إنّ حمل البعير لعلّه كان معلوم المقدار عندهم ، مع احتمال كونه مجرّد وعد ، لا جعالة ، مع أنّه لم يثبت الشرع بمجرّد فعل المؤذّن ، لأنّه غير حجّة ، ولم يثبت إذن يوسف عليه السّلام
شرح
ولا بأس بذكر ما لا يرتبط بالمقام ، وهو ملخّص تفسير الآية المباركة : وهو أنّ يوسف عليه السّلام أراد أن يفصل بنيامين عن إخوته ويبقيه عنده ، ولم يكن ذلك ممكنا إلّا بمبرّر ، فأمر غلمانه بإخفاء الصاع - وهو آلة الكيل أو جام شرب الماء - في رحل أخيه بنيامين حيلة لإبقائه عنده .
ثم نادى المنادي في أولاد يعقوب : يا أصحاب العير إنّكم سارقون ، فلا ترحلوا حتى ننظر في أمركم ، فدهش أولاد يعقوب لهذه المفاجأة العنيفة .قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ« 1 » قالوا هذا وهم على يقين من براءتهم .
وهذه هي المرّة الأولى التي يسمعون فيها مثل هذه التهمة .قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ« 2 » ، أي : غلمان يوسف فقدنا صواع الملكوَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ.
[ ردّ الاستدلال بالآية على مشروعيّة الجهالة في الجعالة ]
وفيه : إنّ حمل البعير لعلّه كان معلوم المقدار عندهم بحسب عرفهم وكان معلوم الجنس بالقرائن ، فلا يمكن الاستدلال على جواز الجهالة في مال الجعالة ، وذلك لما هو المعروف من أنّه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ، فلا تدلّ الآية على الحكم الثاني وهو جواز الجهالة في مال الجعالة ، كما لا تدلّ على الحكم الأوّل وهو مشروعيّة أصل الجعالة ، كما أشار اليه بقوله : مع احتمال كونه مجرّد وعد لا جعالة ، أي : مع احتمال قول المؤذّن :وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍمجرّد وعد فقط . إذ كما أنّ مجرّد طلب فعل من شخص معيّن بلا تعيين اجرة لا يكون إجارة اصطلاحية ، إلّا أنّ العامل يستحق أجرة المثل ، كذلك طلب فعل من شخص مبهم من دون تعيين مال الجعالة لا يكون جعالة اصطلاحية ، إلّا أنّ العامل يستحق الأجرة ، كما في شرح الاعتمادي ، هذا مع ضميمة ما ذكرنا من أنّ الاحتمال يمنع عن الاستدلال ، يكفي في ردّ دلالة الآية على مشروعيّة أصل الجعالة .پاورقی
( 1 ) يوسف : 71 .
( 2 ) يوسف : 72 .