حكمين ، فإن أريد بإعمال الأصل في نفي أحدهما إثبات الآخر ، ففيه :
إنّ مفاد أدلّة أصل البراءة مجرّد نفي التكليف دون إثباته ، وإن كان الإثبات لازما واقعيّا لذلك النفي ، فإنّ الأحكام الظاهريّة إنّما تثبت بمقدار مدلول أدلّتها ولا يتعدّى إلى أزيد منه بمجرّد ثبوت الملازمة الواقعيّة بينه وبين ما ثبت ، إلّا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالأصل موضوعا لذلك الحكم الآخر ، كما ذكرنا في مثال براءة الذمّة عن الدّين والحجّ ، وسيجيء توضيح ذلك في باب تعارض الاستصحابين .
شرح
( وإن كان على الوجه الثاني )
بأن يكون ترتّب الحكم الإلزامي على الأصل من جهة الملازمة الناشئة من العلم الإجمالي ، كالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين ، هذا هو المقصود من قوله : ( وإن كان على الوجه الثاني الراجع إلى وجود العلم الإجمالي بثبوت حكم مردّد بين حكمين ) إلّا أنّ عبارة المصنّف قدّس سرّه قاصرة لعدم شمولها الإناءين المشتبهين لكونهما من قبيل دوران الأمر في حكم بين عروضه لأحد موضوعين ، وحينئذ فلو قال بثبوت حكم مردّد بين موضوعين كان أولى ، كما في الأوثق بتصرّف .
( فإن أريد بإعمال الأصل في نفي أحدهما إثبات الآخر ) .
بأن يراد من إجراء أصالة عدم تقدّم الكرّيّة على الملاقاة إثبات تقدّم الملاقاة عليها ووجوب الاجتناب عن الماء ، كما في شرح الأستاذ الاعتمادي .
( ففيه : إنّ مفاد أدلّة أصل البراءة ) وكذلك أصل العدم ( مجرّد نفي التكليف دون إثباته ) أي : التكليف من جهة أخرى ، فكلام الفاضل التوني قدّس سرّه صحيح في هذا الفرض ، لأنّ إثبات التكليف من جهة أخرى لازم عقلي للأصل فيكون مثبتا وليس بحجّة ، كما أشار إليه المصنّف قدّس سرّه بقوله :
( فإنّ الأحكام الظاهريّة إنّما تثبت بمقدار مدلول أدلّتها ) .
ومن المعلوم أنّ مدلول أدلّة أصل البراءة هو نفي التكليف فقط دون إثباته من جهة أخرى ، وهذا بخلاف الطرق والأمارات حيث مثبتاتها ولوازمها العقليّة حجّة . فلو قامت البيّنة على عدم تقدّم الكرّيّة تثبت بها بنجاسة الماء ، ولا تثبت بأصالة العدم ( إلّا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالأصل موضوعا لذلك الحكم الآخر ) فيترتّب الحكم الآخر على