ثمّ أقول : هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء ، فحريّ بنا أن نحقّق المقام ونوضّحه بتوفيق الملك العلّام ودلالة أهل الذكر عليهم السّلام . فنقول : التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذاتيّين ، وكذلك عند من يقول بهما ولا يقول بالحرمة والوجوب الذاتيّين ، كما هو المستفاد من كلامهم عليهم السّلام ، وهو الحقّ عندي .
ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده إلّا على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم .
Commentary
المجتهدون ، إنّ - خبر لقولنا : وحاصل ما أفاده - التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوز قبل إكمال الدين بعد الالتزام بأحد أمرين على نحو منع الخلوّ ، أي :
إمّا القول بإنكار الحسن والقبح العقليّين ، كما عليه الأشاعرة .
وإمّا إنكار الملازمة بين حكم العقل والشرع كما هو الحقّ عند الأخباريّين ، إذ أكثر الوقائع كانت قبل إكمال الدين خالية عن الحكم الشرعي ، فيمكن الظن فيها بانتفاء الحرمة أو الوجوب واقعا بمقتضى استصحاب البراءة الأصليّة ، لانتفائهما سابقا وعدم الدليل عليهما عقلا وشرعا ، لأنّ العقل لم يحكم بالحسن والقبح على عقيدة الأشاعرة ، أو يحكم بهما ، إلّا إنّ الشرع لا يحكم بالحرمة أو الوجوب على القول بعدم الملازمة بينهما ، فيحكم بانتفاء الحرمة في محتمل الحرمة بالبراءة الأصليّة ، وانتفاء الوجوب في محتمل الوجوب بها .
والحاصل أنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة مبنيّ على أمر باطل بالضرورة والوجدان ، وهو عدم إكمال الدين ، وخلوّ بعض الوقائع عن الحكم الشرعي ، وقد تواترت الأخبار بأنّ ما من واقعة إلّا وقد تعلّق بها حكم شرعي ، كما هو المستفاد من قول النبي صلّى اللّه عليه وآله في خطبة الوداع ، حيث قال صلّى اللّه عليه وآله :
( ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم إلى النار إلّا وقد نهيتكم عنه ) « 1 » .
فلا يصحّ التمسّك بالبراءة الأصليّة بعد إكمال الدين ، وعلى القول بالملازمة
Footnote
( 1 ) الكافي 2 : 74 / 2 . الوسائل 17 : 44 ، أبواب مقدمات التجارة ، ب 12 ، ح 2 .