ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي ، فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرّد ، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى .
والحاصل أنّ الكلام في كون هذا الفعل - غير المنهي عنه واقعا - مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا ، لا في أنّ هذا الفعل المنهي عنه باعتقاده ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيّده وكونه جريئا في مقام الطغيان والمعصية وعازما عليه ، فإنّ هذا غير منكر في هذا المقام - كما سيجيء - ولكن لا يجدي في كون الفعل محرّما شرعيّا ، لأنّ استحقاق المذمّة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل .
ومن المعلوم أنّ الحكم العقلي باستحقاق الذمّ إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلّق بالفعل لا بالفاعل .
وأمّا ما ذكر من الدليل العقليّ فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع ، لأنّه عصى
شرح
خلاف فيه ظاهرا .
والسريرة : قد تطلق على السجية والجبلّة ، وقد تطلق على النيات الباطنية والأمور الخفية .
وفي مجمع البحرين : السرائر ما أسرّ في القلوب ، والعقائد والنيات وغيرها وما خفى من الأعمال .
( ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي ) .
فإنّه قبيح لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل وعن كونه شقيّا لكونه جريئا وعازما على العصيان والتمرد ، وليس حكم العقل على القبح من جهة كون الفعل مبغوضا للمولى لأنّ شرب الخل ليس مبغوضا للمولى .
والحاصل أنّ التجرّي فيه جهتان :
الأولى : أنّ التجرّي كاشف عن سوء سريرة الفاعل ، ولا خلاف في هذه الجهة .
الثانية : أنّ التجرّي يوجب قبح الفعل المتجرّى به ، فيكون محرما شرعا .
فالنزاع في الجهة الثانية بمعنى أنّ التجرّي هل يوجب قبح الفعل ليكون حراما أم لا ؟
المصنّف رحمه اللّه يقول ليس فيه قبح فعلي بل فيه قبح فاعلي ، والقبح الفاعلي لا يستلزم الحرمة الشرعية .