فلو كان الإناءان معلومي النجاسة سابقا ، جرى الاستصحاب فيهما ، وتفرّع عليه الحكم بنجاسة الجسم الملاقي لأحدهما ، وهذا بخلاف ما لو حكمنا بوجوب الاجتناب عنهما من باب الاحتياط ، كما عرفته فيما سبق . ولكنّك عرفت في مبحث العلم الإجمالي إجمالا أنّ المبنى فاسد ، وسنشير إليه أيضا فيما بعد ، وتمام الكلام فيه في مبحث الاستصحاب .
قوله قدّس سرّه : ولا يلزم هنا مخالفة قطعية في العمل . . . الخ « 1 » .
أقول : هذا بمنزلة البرهان للعمل بالأصل فيهما ، ولكن يرد عليه أنّ المانع عن جريان الأصل فيهما هو العلم بمخالفته للواقع ، لا بمخالفة الحكم المعلوم بالإجمال ، فانّ عدم الالتزام بنجاسة كلا الإنائين المعلوم صيرورة أحدهما طاهرا ، ليس نقضا لليقين بالشكّ كي يعمّه أدلّة الاستصحاب ، بل هو نقض لليقين باليقين ، وكيف لا وإلّا لم يكن يتفاوت الحال في ذلك بين أن يكون لمعلومه بالإجمال أثر علمي أو لا يكون ، فليس مفاد تلك الأدلّة وجوب الالتزام ببقاء نجاسة كليهما ، إذ لا شكّ في عدم كونهما كذلك ، ولا بقاء نجاسة أحدهما معيّنا ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح ، ولا مخيّرا فانّ أحدهما المخيّر ليس بفرد ثالث غير هذين الفردين اللّذين لا يمكن أن يشمل شيئا منهما أدلّة الاستصحاب ، وسيأتي مزيد توضيح ذلك في محلّه إن شاء اللّه .
فالحقّ أنّ العلم الإجمالي مانع عن اجراء الأصول مطلقا ، سواء استلزم ذلك مخالفة عملية لمعلومه بالإجمال أم لا ، فليس لمن جوّز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام أن يلتزم بالتفصيل المزبور .
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول : ص 257 سطر 8 ، 2 / 254 .