ثم أقول : هذا المقام مما زلت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء ، فحري بنا أن نحقق المقام ونوضحه بتوفيق الملك العلام ودلالة أهل الذكر عليهم السّلام ، فنقول : التمسك بالبراءة الأصلية إنما يتم عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذاتيين ، وكذلك عند من يقول بهما ولا يقول بالحرمة والوجوب الذاتيين 1 ، كما هو المستفاد من كلامهم عليهم السّلام ، وهو الحق عندي .
ثم على هذين المذهبين إنما يتم قبل إكمال الدين لا بعده ، إلا على مذهب من جوز من العامة خلو الواقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى .
لا يقال : بقي هنا أصل آخر ، وهو أن يكون الخطاب الذي ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الأصلية .
لأنا نقول : هذا الكلام مما لا يرضى به لبيب ، لأن خطابه تعالى تابع للحكم والمصالح ، ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة . إلى أن قال :
هذا الكلام مما لا يرتاب في قبحه ، نظير أن يقال : الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل والعلو ، ومن المعلوم بطلان هذا المقال .
شرح
( 1 ) كأنه من جهة أنه على القول بكون الوجوب والحرمة ذاتيين لا يعلم بسبق البراءة وعدم الوجوب ، بخلاف ما لو قيل بأنهما غير ذاتيين ، بل حادثين بجعل الشارع الأقدس إما تبعا للحسن والقبح ، أو ابتداء ، فإنه يعلم بالبراءة حينئذ فيمكن استصحابها .
وفيه : أن استصحاب البراءة ليس بلحاظ ما قبل الشريعة ، بل بلحاظ حال ما قبل التكليف ، كحال الصغر للعلم بعدم التكليف معه مطلقا قيل يكون الأحكام ذاتية أولا . اللهم إلا أن يستشكل في الاستصحاب حينئذ بعدم بقاء الموضوع . وهو مبني على مسألة تحديد موضوع الاستصحاب .