شرح
وفيه : أوّلا : أنّ الايصال إلى الواقع إنّما هو حكمة لجعل الطرق ، لا علّة كي يدور الحكم مداره . إذن فمجرّد احتمال الايصال إلى الواقع يكفي في الجعل ، ألا ترى أنّه لو علم إجمالا بعدم مطابقة أحد الأصلين للواقع ، لم يكن مانع من حجّية كليهما ؛ لأنّ كلّا منهما محتمل الإصابة للواقع .
وثانيا : أنّ الخبرين لو علم مخالفة أحدهما للواقع ، فيكون التعارض من قبيل اشتباه الحجّة بغير الحجّة .
فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّ الإشكالات الواردة على التخيير غير واردة ، والعمدة ما ذكرنا من أنّ دليل حجّية الخبر لا يدلّ على حجّية خبر كلّ ثقة ، وإنّما الدليل عليها السيرة العقلائيّة ، وهي لا تشمل المتعارضين . إذن فلا بدّ في المسألة من التفصيل في المتعارضين بينما قام دليل لفظي على اعتبارهما ، وبين ما قام دليل لبّي عليه بالالتزام بالتخيير في الأوّل دون الثاني . هذا كلّه على الطريقيّة .
فتلخّص : أنّ مقتضى الأصل الأوّلي في الخبرين المتعارضين هو التساقط ، وفي غيرهما ممّا قام دليل لفظي على اعتباره هو التخيير ، فليس مقتضاه التساقط مطلقا ، ولا التوقّف . وقد عرفت أنّ مسلك شيخنا الأعظم هو التوقّف بمعنى تساقط مدلولي الدليلين عن الحجّية . وأمّا المدلول الالتزامي لهما فيبقى على حجّيته ، ويترتّب عليه نفي الثالث بهما .
ولمّا انجرّ الكلام إلى هنا فندخل في هذا البحث ، ونقول - ومن اللّه التوفيق - : وقع الكلام بين الأعلام في أنّ المتعارضين هل ينفيان الحكم الثالث أم لا ؟ فإذا دلّ أحد الخبرين على وجوب صلاة الجمعة والآخر منهما على حرمتها ، فهل يصحّ الالتزام بحكم ثالث وهو استحبابها بالدليل الدالّ عليه ؟ أو يكون المتعارضان بمدلولهما الالتزامي نافيين لحكم ثالث ومعارضين للدليل الدالّ على الاستحباب ورافعين