وأمّا ما لا منفعة فيه أصلا مثل تحريك اليد بلا جهة ولا داع ، ومضغ الخشب والنبات الغير اللذيذ ، فلا حكم للعقل فيها عند الكلّ ، ولهذا عنونوا العنوان بما فيه منفعة خالية عن أمارة المضرّة . والمراد من عدم حكم للعقل فيها عدم حكم بالخصوص مع قطع النظر عن كونه مجهول الحكم وإلّا فالعقل يحكم بأصالة البراءة عن التكليف بوجوب الاجتناب .
والفرق واضح بين أصالة البراءة والإباحة من وجوه ستأتي . فانحصر وتعيّن أن يكون النزاع في ما فيه منفعة خالية عن أمارة المضرّة كشمّ الورد وأكل الفاكهة .
[ تعيين محلّ النزاع في المسألة ]
فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ محلّ النزاع في المسألة من حيث المفهوم في ما فيه منفعة خالية عن أمارة المضرّة ، كما تبيّن أنّه من حيث المصداق في مثل شمّ الورد وأكل الفاكهة والتفرّج بالمنزهات الخضرية والمائية ونحوها .
[ المراد ممّا قبل الشرع في عنوان النزاع ]
الجهة الثالثة : إنّ المراد ممّا قبل الشرع في عنوان من عنون النزاع بقوله :
هل الأشياء النافعة قبل الشرع على الحظر أو الإباحة ؟ ليس القبليّة الزمانية لأنّها إنّما توافق مذهب العامة القائلة بالفترة وجواز خلوّ الزمان عن الحجّة ، ولا القبليّة الرتبية لأنّها إنما توافق القول بالإباحة الظاهريّة لا الواقعية التي هي محلّ النزاع ، بل المراد قبل النظر إلى دليل الشرع - يعني مع الإغماض عن الشرع أو الاطمينان بعدم منع الشرع - ، هل يدرك العقل حكم تلك الأشياء من الإباحة والحظر الواقعية لئلّا يحتاج في حكمها إلى بيان الشرع أم لا يدرك فيحتاج إلى بيان الشرع ؟ فما قبل الشرع قيد احترز به في العنوان عن الإباحة الظاهرية لا عن الإباحة الواقعية .
نعم يمكن أن يكون المراد به قبل وصول الشرع عند الحاظر أو المتوقّف أو من قال بالإباحة مستندا إلى عدم أمارة الضرر ، ضرورة أنّ حكم الشرع حينئذ