كون المراد من التبيّن العلمي أو غيره من الإيرادات المتوهّم ورودها - لاستدعت البلاغة - وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال - أن يعبّر عنه بقوله : « إن جاءكم ظنّ لا تعملوا به » لا بقوله : « إن جاءكم فاسق » ولا بقوله : « فتبيّنوا » عوض لا تعملوا ، ولا بتعليله التبيّن بالاحتراز عن الجهالة والوقوع في الندامة ، فإنّ سياق كلّ واحد من التعبيرات المذكورة مناف لمقتضى البلاغة اللازمة في كلام ربّ البلاغة والبلغاء ، وآب إباء كليّا عن الحمل على المنع من العمل بما عدا العلم كما توهّم .
ومنها : أنّه لو دلّ على المنع من العمل بخبر الفاسق إلّا إذا اكتنف بما يفيد العلم لدلّ على اعتبار خصوص العلم وكون الخبر حاله حال الحجر في جنب الإنسان ، وكان مفاد الآية نظير قولك : « لا تقبل قول الفاسق إلّا إذا انضمّ إليه ما هو مقبول » في انقطاع الاستثناء ، ومعلوم إباء سياق الآية ومصبّها عن سياق هذا التنظير جدّا .
ومنها : أنّه لو لم تدل الآية على قبول قول العادل للزم الالتزام بعدم مفهوم للشرط ، أو الالتزام بعدم دلالة مفهومه على قبول قول العادل ، لكونها سالبة بانتفاء الموضوع ، وهو إن لم يجئكم فاسق فلا تتبيّنوا .
أمّا الأول فيستلزم مخالفة الأصل والظاهر ، والغالب من أداة الشرط والجمل الشرطية .
وأمّا الثاني فيستلزم منافاة دلالة مفهوم الشرط لمنطوقه ، أعني دلالة المفهوم على كون العادل أسوأ حالا من الفاسق ، ودلالة المنطوق على كونه أحسن حالا منه ، فلا بدّ وأن يدلّ على قبول قول العادل بدلالة المنطوق والفحوى ، أو بدلالة مفهوم الشرط ، لكن لا على ما هو الظاهر من كون الشرط لتبيّن هو المجىء وموضوعه الفاسق ، ليلزم كون المفهوم سالبة بانتفاء الموضوع ، أعني قولنا : « إن لم يجئكم الفاسق فلا تتبيّنوا » بل على أن يكون الشرط للتبيّن
التعليقة على فرائد الأصول — صفحة 313
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٣١٣