بل للاستدلال بالآية « 1 » وجه ثالث سالم عن المناقشات ومبرّأ عن شوائب الإيرادات ، إلّا ما يلحق بالمكابرات التي لا مناص عنها في الاستدلالات ، وهو الاستدلال بمنطوق الآية ومفهومها الموافقة لا المخالفة بتقريب : أنّ الظاهر من سياق الآية بالنظر إلى ما يفهم من أشباهها ونظائرها في المحاورات العرفية ، هو اشتراط قبول قول الفاسق بالتبيّن أو التثبّت على اختلاف القراءات ، الأعمّ من تحصيل الظنّ بصدقه ومن العلم ، على ما في كتب اللغة « 2 » من تفسير التبيّن عن الشيء : بطلب ظهوره ووضوحه والثبات في الأمر ، بالأخذ فيه من غير تعجيل ، حذرا عن فعل الجهلاء والسفهاء والوقوع بواسطته في معرض تنديم العقلاء .
وبقرينة ما ذكرنا من كون المراد بالتبيّن هو الأعمّ من الظنّي لا خصوص العلمي يظهر بل يتعيّن كون المراد من الجهالة في التعليل هو السفاهة ، لا عدم العلم الأعمّ من الظنّ ، كما هو معنى الجهل لغة « 3 » .
بل لا يبعد دعوى الفرق بين الجهل والجهالة ، وأنّ كثيرا من استعمالات الثاني ورد في فعل ما لا يجوز فعله من السفاهة وعدم المبالاة والتجرّي ، وهو أظهر الاحتمالين في قوله تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
« 4 » ولعلّه مراد من فسّر الجهالة بإيثار اللذّة الفانية على اللذّة الباقية ، ومن قال : أجمعت العصابة على أنّ كلّ ما عصي اللّه به فهو جهالة ، وكلّ من عصى اللّه فهو جاهل : أي سفيه .
وبالجملة : فليس المراد التحذير عن مطلق حصول الندامة ، فإنّ مجرّد حصول الندامة أمر لا ينفكّ عن السالك طريقا لم يوصله إلى الواقع ولو كان طريقا
هامش
( 1 ) الحجرات : 6 .
( 2 ) راجع الفائق 1 : 143 ، لسان العرب 13 : 68 مادّة ( بين ) .
( 3 ) مجمع البحرين 5 : 345 مادّة ( جهل ) ، لسان العرب 11 : 129 مادّة ( جهل ) .
( 4 ) النساء : 17 .