قد يقال : بل قيل إن الأصل في المتعارضين عدم حجية أحدهما ، لأن دليل الحجية مختص بغير صورة التعارض ، أما إذا كان إجماعا فلاختصاصه بغير المتعارضين وليس فيه عموم ، أو إطلاق لفظي يفيد العموم ليكون مدعي الاختصاص محتاجا إلى المخصص والمقيد ، وأما إذا كان لفظا فلعدم إمكان إرادة المتعارضين من عموم ذلك اللفظ ، لأنه يدل على وجوب العمل عينا بكل خبر مثلا ، ولا ريب أن وجوب العمل عينا بكل من المتعارضين ممتنع .
والعمل بكل منهما تخييرا لا دليل عليه ، إذ لا يجوز إرادة الوجوب العيني
شرح
الباب ليس هو البناء والعزم على العمل به كما ربما يتوهّم بالنّظر إلى الجمود على لفظ الأخذ ، بل العمل عليه وترتيب الآثار على مقتضاه وليس مثل التّقليد حتّى يتوهّم فيه ما توهّم مع كونه فاسدا أيضا على ما حقّقناه في مسألة الاجتهاد والتّقليد من كون المراد متابعة المجتهد في رأيه لا مجرّد البناء على العمل به بعد تعلّمه ، والثّمرة بين الوجهين يظهر في مسألة العدول عمّا بني على العمل عليه مع عدم العمل .
الخامس : أنّه قد قيل بأنّ البحث في حكم التّعادل قليل الجدوى ، بل عادمها ، لأن كلّ ما حكموا فيه بالتّخيير في موارد تعارض الأخبار كما في باب الكفّارات وذكر سجود السّهو ومنزوحات البئر ، فقد حكموا به من جهة الجمع بصرف ظهور كلّ واحد في التّعيين بنصّ الآخر فهو من التّخيير الواقعي بين الفردين ولا تعلّق له بالتّخيير الظّاهري ، هذا وأنت خبير بما فيه ، فإن مورد التّعارض قد لا ينافيه الجمع المذكور كالأخبار الواردة في مسألة الجهر بالتّسمية وإخفاتها ، بل ظاهرهم في جملة من موارد إمكان الجمع أيضا هو التّخيير الظّاهري ، فإن من قال بالتّخيير بين القصر والتّمام فيما زاد على الأربع ولم يبلغ الثّمانية مع عدم الرّجوع في يومه ، أو ليلته إذا لم يقصد الإقامة في المقصد ظاهره التّخيير الظّاهري من جهة الأخبار المتعارضة .